جاءت زيادة أسعار الكهرباء على القطاع التجاري في لحظة يعاني فيها السوق أصلًا من بطء واضح في حركة البيع وتراجع مستمر في القدرة الشرائية، وهو ما جعل القرار يتجاوز كونه تعديلًا في بند خدمي إلى كونه عامل ضغط مباشر على دورة التجارة اليومية. فالحكومة مضت في رفع الأسعار بنسب تراوحت بحسب الشرائح بين 20% و91%، بينما بقيت الأسواق وحدها أمام مهمة امتصاص الصدمة أو نقلها إلى المستهلك النهائي، في وقت لم تظهر فيه إجراءات حكومية موازية تضمن الحد من انتقال الزيادة إلى الأسعار النهائية، أو تمنع اتساع أثرها على القطاعات المرتبطة بالتجارة والخدمات.
وفي هذا المناخ، حذر أحمد زكي، رئيس شعبة المصدرين باتحاد الغرف التجارية، من أن التعامل غير المرن مع هذه الزيادات قد يدفع السوق إلى موجة ركود واسعة، لأن التاجر والمصنع يعملان داخل سوق ضعيف الطلب ومحدود الاحتمال. تصريحات زكي اكتسبت أهمية خاصة لأنها ربطت القرار بظروف الحرب والاضطرابات الإقليمية وارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، لكنها في الوقت نفسه نبهت إلى أن السوق المحلية لا تملك رفاهية تحميل المستهلك كامل الزيادة من دون خسارة حركة البيع نفسها.
زيادة الكهرباء تضع التجارة أمام كلفة تشغيل أعلى
وبحسب الأسعار المعلنة سابقًا للقطاع التجاري، جاءت الزيادة على الشرائح بنسب كبيرة تفاوتت وفق حجم الاستهلاك، إذ أشارت تقارير منشورة إلى أن بعض شرائح النشاط التجاري سجلت زيادة تتجاوز 24%، بينما أظهرت مراجعات أخرى أن الزيادة العامة على الشرائح المختلفة بعد تحريك الأسعار في أغسطس 2024 وصلت في بعض الاستخدامات إلى نسب أعلى بكثير مقارنة بمستويات سابقة. هذا التفاوت في الشرائح لا يخفف أثر القرار، بل يوسع نطاقه داخل الأنشطة التجارية المختلفة.
وفي هذا السياق، قال أحمد زكي إن الأوضاع الاقتصادية عالميًا تشهد تغيرًا وعدم استقرار، وإن القرارات الحالية تبدو مرتبطة بظروف استثنائية فرضتها تداعيات الحرب والاضطرابات التي أثرت على مختلف القطاعات. هذه الصياغة تكشف أن شعبة المصدرين لا تنفي وجود مبررات دولية للقرار، لكنها تضعه داخل ظرف ضاغط يجعل السوق المحلية الطرف الأضعف في تحمل نتائجه اليومية.
ثم أوضح زكي أن الحكومة أصبحت مضطرة إلى اتخاذ مثل هذه الخطوات في ظل ارتفاع أسعار مصادر الطاقة عالميًا، سواء البترول أو الغاز، وهو ما انعكس على تكلفة الإنتاج والتشغيل بشكل مباشر. هذا الربط بين الطاقة وكلفة التشغيل يفسر انتقال الزيادة سريعًا من فاتورة الكهرباء إلى سعر السلعة والخدمة، لأن النشاط التجاري لا يستهلك الكهرباء باعتبارها بندًا ثانويًا، بل باعتبارها عنصرًا أساسيًا في استمرار العمل اليومي.
الحكومة تراهن على الترشيد بينما السوق يتحسب للركود
ومن هنا أشار أحمد زكي إلى أن الدولة تسعى من خلال هذه الزيادات إلى تحقيق توازن في استهلاك الطاقة، وأن الحكومة تحاول بصورة غير مباشرة دفع المواطنين والقطاع التجاري إلى ترشيد الاستهلاك، بحيث يتحول كل طرف إلى شريك في إدارة الأزمة. هذا التبرير يشرح منطق السلطة في القرار، لكنه لا يبدد مخاوف السوق، لأن الترشيد في النشاط التجاري لا يحدث دائمًا من دون كلفة على حجم التشغيل نفسه.
كما أضاف زكي أن ارتفاع قيمة الفواتير سيجعل الجميع أكثر حذرًا في استهلاك الكهرباء، لأن الأفراد والتجار سيحاولون تقليل الاستهلاك لتجنب أعباء إضافية. غير أن هذا المسار يحمل أثرًا مزدوجًا، لأن التاجر حين يقلل الإنارة أو التبريد أو ساعات التشغيل يفعل ذلك لتقليل التكلفة، لكنه قد يخسر في المقابل جزءًا من الجاذبية التجارية أو من كفاءة الخدمة التي يعتمد عليها البيع.
وفي الإطار نفسه، قال الدكتور محمد عبدالهادي، الخبير الاقتصادي، إن ترشيد استهلاك الكهرباء ليس مقصورًا على مصر، بل تتبعه دول أخرى في ظل الأزمات الاقتصادية العالمية المتلاحقة، ومنها الحرب الروسية الأوكرانية والتوترات الأخيرة في المنطقة. هذا الرأي يدعم تفسير أن الدولة تنظر إلى ارتفاع الطاقة باعتباره أزمة ممتدة، لكنه لا ينفي أن أثر القرار داخل السوق المصرية يبقى أشد قسوة بسبب ضعف الطلب المحلي.
ثم جاء تحذير الدكتور علاء عز، مستشار رئيس اتحاد الغرف التجارية، ليكشف جانبًا آخر من الصورة حين قال في مارس 2026 إن الدولة واجهت خيارين، إما تخفيف الأحمال وإما ترشيد الاستهلاك، واختارت الخيار الأقل ضررًا. هذا التصريح يوضح أن إدارة ملف الطاقة باتت قائمة على توزيع الضرر، لكنه يوضح أيضًا أن القطاع التجاري صار مطالبًا بتحمل جزء من الأزمة من دون ضمانات كافية تمنع انتقالها إلى حالة تباطؤ في الأسواق.
شعبة المصدرين تدعو لامتصاص الزيادة بدل تمريرها كاملة إلى المستهلك
ولذلك أكد أحمد زكي أن التعامل مع هذه الزيادات يجب أن يتم بحذر لتفادي دخول السوق في موجة ركود، مشددًا على أهمية عدم تحميل المستهلك كامل الزيادة في الأسعار. هذا التحذير لا يصدر من طرف بعيد عن حركة البيع، بل من ممثل لقطاع يعرف أن السوق فقدت جزءًا كبيرًا من قدرتها على احتمال زيادات جديدة، وأن أي قفزة غير محسوبة قد تنتهي إلى تباطؤ أوسع في التداول التجاري.
كما قال زكي إن الطبيعي في هذه المرحلة هو محاولة امتصاص جزء من الزيادات عبر تقليل هامش الربح بعض الشيء، وألا يسعى المصنع أو التاجر إلى تعويض كل الخسائر من خلال رفع الأسعار، لأن السوق لا يحتمل. هذا الكلام يحمّل التجار جزءًا من المسؤولية العملية في تخفيف أثر القرار، لكنه يكشف أيضًا أن الحكومة تركت آلية الامتصاص للسوق بدل أن تقدم أدوات حماية مباشرة للمستهلك أو للتجارة الصغيرة.
وبناء على ذلك، أوضح زكي أن الأسواق تعمل كسلسلة مترابطة، حيث تنتقل الزيادات من حلقة إلى أخرى، وأن كل طرف يحمل جزءًا من التكلفة إلى الحلقة التالية. هذا الوصف يفسر كيف تتحول زيادة الكهرباء إلى موجة أسعار أوسع، لأن ارتفاع بند واحد في بداية السلسلة لا يبقى في مكانه، بل يعاد توزيعه بين المصنع والموزع والتاجر إلى أن يصل في النهاية إلى المستهلك.
وفي السياق المتصل، قال الدكتور محمد فؤاد، الخبير الاقتصادي، إن زيادة أسعار الكهرباء في مصر لم تعد مسألة احتمال بل مسألة توقيت، وإن قطاع الكهرباء يواجه عجزًا ماليًا كبيرًا يجعل استمرار الدعم الكامل أمرًا شديد الصعوبة. أهمية هذا الرأي أنه يربط بين ضغوط المالية العامة وبين القرارات التي تصيب السوق، ما يعني أن موجات الزيادة قد لا تكون الأخيرة إذا استمرت الفجوة بين التكلفة وسعر البيع.
ثم يترتب على ذلك أن قدرة المستهلكين على التحمل أصبحت محدودة بالفعل، كما شدد أحمد زكي، وهو ما يتطلب قدرًا من المرونة من جانب التجار للحفاظ على استمرارية البيع بدل خسارة الحركة التجارية بالكامل. لكن هذه المرونة لن تبقى مفتوحة إلى ما لا نهاية، لأن التاجر الذي يخفض ربحه مرة بعد أخرى يعمل داخل سوق تتآكل فيها السيولة، وتزداد فيها كلفة التشغيل بشكل متواصل.
وفي المحصلة، يكشف قرار زيادة الكهرباء على القطاع التجاري أن الحكومة اختارت تمرير جزء جديد من أعباء الطاقة إلى السوق في توقيت شديد الحساسية، بينما جاءت تحذيرات شعبة المصدرين لتؤكد أن الخطر لا يقف عند حدود الفاتورة، بل يمتد إلى احتمال ركود فعلي إذا جرى تمرير الزيادة كاملة إلى الأسعار. وبين مبررات الحرب وكلفة الطاقة وعجز السوق عن الاحتمال، تبقى الحقيقة الأوضح أن المستهلك والتاجر يواجهان الأزمة معًا، فيما تكتفي الدولة بإدارة آثارها لا بمنعها.

