لم تكن الرحلة الأخيرة لترام الرمل في شرق الإسكندرية مجرد توقف وسيلة نقل قديمة عن العمل، بل كانت مشهدًا عامًا كشف حجم الفجوة بين رواية رسمية تتحدث عن التحديث والكفاءة، ومدينة تودع جزءًا ثابتًا من حياتها اليومية من دون أن تشعر بأن أحدًا أنصت جيدًا إلى معنى هذا الفقد. ففي الساعات الأخيرة قبل وقف الخدمة على المرحلة الثانية، امتلأت العربات والأرصفة بركاب قرروا أن يلتقطوا صورهم الأخيرة داخل الترام وخارجه، وأن يوثقوا لحظة الوداع كما لو أنهم يودعون شارعًا لا عربة، أو إيقاعًا يوميًا لا خطًا للنقل فقط. وقد بدا المشهد واضحًا في شرق المدينة، حيث اختلطت الذكريات الشخصية بسؤال أوسع عن طريقة إدارة هذا الملف، وعن سبب وصول السكندريين إلى لحظة يودعون فيها مرفقًا عمره أكثر من قرن ونصف بهذه الحسرة، بينما تتسابق الجهات الرسمية على تأكيد أن ما يجري تطوير لا إلغاء. وتكشف هذه اللحظة نفسها أن الأزمة لا تتعلق بالحنين وحده، بل بكيفية تعامل السلطة مع المرافق التي تشكل الذاكرة الحية للمدينة.
وجاء هذا الوداع في توقيت مرتبك أصلًا، لأن قرار الإيقاف الكامل للمرحلة الثانية لم يثبت على موعده الأول، بل تأجل من 1 أبريل 2026 إلى السبت 4 أبريل 2026 استجابة لتقارير الأرصاد الجوية، بحسب ما قاله أحمد شعبان رئيس هيئة النقل العام بالإسكندرية. وقد دفعت الهيئة بسبع عربات إضافية قبل الرحلة الأخيرة، في خطوة لاقت ترحيبًا من المواطنين، لكنها كشفت في الوقت نفسه أن الضغط الشعبي كان حاضرًا حتى في لحظات الإيقاف. كما أن العودة إلى بداية الخطة تؤكد أن المرحلة الأولى من الإيقاف الجزئي انطلقت في 11 فبراير 2026 من فيكتوريا إلى مصطفى كامل، مع إزالة محطة فيكتوريا ورفع القضبان من أجزاء من المسار تمهيدًا لأعمال التطوير. وبين فبراير وأبريل، لم يتحول الجدل إلى نقاش هندسي فقط، بل ظل سؤال الناس أكثر مباشرة، وهو كيف تُحدَّث المدينة من دون أن تُدار خسارتها العامة بهذه الخفة، ومن دون أن يشعر مستخدمو المرفق بأنهم آخر من يُستشارون في مصير وسيلة صاحبت حياتهم لعقود.
الرحلة الأخيرة تحولت إلى وداع عام لا إلى إجراء إداري
وفي الرحلة الأخيرة في شرق الإسكندرية، حرص عدد كبير من الركاب على استقلال الترام للمرة الأخيرة، وعلى التقاط الصور داخل العربات وعلى الأرصفة، حتى بدا الترام كأنه مزار مؤقت يتبادل فيه الناس الذكريات والابتسامات. وقد عكس هذا المشهد أن الوداع لم يكن فرديًا، لأن الترام ارتبط بحياة السكندريين سنوات طويلة وصار جزءًا من شكل المدينة نفسها.
ثم قال عصام سعيد، أحد الركاب، إنه تعمد توثيق لحظات الوداع الأخيرة بالصور داخل العربات وخارجها، لأن الترام لم يكن بالنسبة إليه مجرد وسيلة نقل، بل جزءًا من تفاصيل حياته اليومية منذ الدراسة الثانوية حتى الجامعة. وأوضح أن رحلاته ارتبطت بذكريات الذهاب إلى المدرسة والجامعة ولقاء الأصدقاء، ولذلك رأى أن توقفه يمثل نهاية فصل مهم من حياته وذكريات جيل كامل.
كما قالت نعمة حسن، وهي من الراكبات المعتادات على الخط، إنها كانت تستخدم الترام يوميًا في طريقها إلى العمل من محطة الإبراهيمية إلى محطة الرمل، وإنه كان من أوفر وسائل النقل وأكثرها أمانًا. وأضافت أن الترام كان أيضًا وسيلتها للهروب من زحام الكورنيش وشارع أبو قير، ولذلك عبّرت عن حزنها الشديد لوقف تشغيله، مع أملها في أن تنتهي أعمال التطوير سريعًا.
وبالتوازي مع هذه الشهادات، قال الحاج خالد عبدالرحمن إن ترام الرمل جزء لا يتجزأ من تاريخ الإسكندرية، وإنه ظل حاضرًا في الصور والاحتفالات التي تحمل اسم المدينة، ولذلك فإن وقفه لا يمر باعتباره مجرد إجراء تشغيلي عادي. ويكتسب هذا المعنى بعدًا أوسع مع ما كتبه الباحث مصطفى عبداللاه، الذي أكد أن خبر إيقاف ترام الرمل فجّر شجون السكندريين لأن عجلاته لم تتوقف عن الدوران في طرقات المدينة منذ نحو مائة وستين عامًا، حتى صار جزءًا رئيسيًا من ذاكرتها العامة.
العاملون يودعون مرفقًا عاشوا فيه أكثر مما عاشوا في بيوتهم
ومن داخل الترام نفسه، لم يقتصر الحزن على الركاب، لأن العاملين رأوا في التوقف لحظة شخصية ومهنية معًا. فقد قال محمود شريف، أحد المحصلين وقاطعي التذاكر على ترام الرمل الأزرق، إن شعور الحزن يعم الجميع مع توقف الخدمة، وإن علاقته بالترام لا تختصرها الوظيفة وحدها، لأنه يعمل فيه منذ أكثر من عشرين عامًا ويبدأ يومه داخله منذ السادسة صباحًا أو وفق الوردية.
ثم أوضح محمود شريف أنه قضى في الترام وقتًا أطول مما قضاه في منزله، وهو توصيف يوضح حجم التداخل بين المرفق وحياة العاملين فيه، لا مجرد اعتمادهم عليه كمصدر دخل. وبعد ذلك مباشرة، قال أحمد مصطفى، أحد سائقي الترام الأزرق، إنه يشعر بالحزن مثل باقي العاملين، رغم اقتناعه بأن مشروع التطوير المرتقب سيزيد السرعة وعدد الركاب، لأن ارتباطه بالترام يتجاوز الوظيفة إلى صحبة يومية طويلة بين محطات شرق الإسكندرية.
كما تكشف هذه الشهادات أن إدارة التوقف لم تمس المستخدمين فقط، بل مست أيضًا العاملين الذين بنوا حياتهم على انتظام هذا الخط لعقود. وفي هذا السياق، قال الدكتور عبد العزيز قنصوة، رئيس جامعة الإسكندرية وأستاذ التخطيط العمراني، إن الجامعة نسقت مع المحافظة خلال فترة توقف الترام لتقليل التأثير على حركة الطلاب والعاملين، وهو تصريح يعكس اعترافًا رسميًا بأن التوقف يخلق ارتباكًا حقيقيًا في دورة المدينة اليومية.
التأجيل والمرحلية يكشفان ارتباكًا في إدارة التطوير لا في مبرراته فقط
وبعد ذلك، جاءت قرارات الإيقاف نفسها لتؤكد أن الملف لم يُدار بسلاسة كاملة. فقد كان مقررًا بدء الإيقاف الكامل للمرحلة الثانية من محطة الرمل إلى مصطفى كامل في 1 أبريل 2026، لكن الموعد أُرجئ إلى 4 أبريل 2026 بسبب موجة الطقس السيئ، وفق تصريحات أحمد شعبان. وأضاف شعبان أن الهيئة دفعت بسبع عربات إضافية لتخفيف الضغط وتقديم الخدمة قبل الرحلة الأخيرة، وهو ما لاقى ترحيبًا من المواطنين.
ثم تعود الوقائع إلى 11 فبراير 2026، حين بدأت المرحلة الأولى للإيقاف الجزئي من فيكتوريا إلى مصطفى كامل، مع إزالة محطة فيكتوريا ورفع القضبان من بعض أجزاء المسار تمهيدًا لأعمال التطوير. وقد أظهرت تقارير لاحقة أن المحافظة اضطرت بعد أربعة أيام فقط من التجربة الأولى إلى اتخاذ إجراءات تصحيحية عاجلة استجابة لشكاوى المواطنين، وهو ما يعني أن التنفيذ لم يسر من البداية على قاعدة استيعاب كامل للاحتياج الفعلي على الأرض.
كما قدمت المحافظة ووزارة النقل رواية مختلفة تركز على أن المشروع يستهدف التأهيل لا الإلغاء، وأنه جزء من منظومة نقل جماعي أوسع وأكثر كفاءة. وقد شدد الفريق كامل الوزير خلال مارس 2026 على أن تطوير ترام الرمل مشروع قومي حيوي، وأنه لا يستهدف طمس الهوية التاريخية للترام بل إعادة تشغيله بصورة أكثر أمانًا وكفاءة. لكن الرواية الرسمية نفسها لم تنجح حتى الآن في تبديد شعور عام بأن المدينة تدفع كلفة الانتقال قبل أن ترى نتائجه الفعلية.
ولذلك، لا يختصر وداع ترام الرمل في صورة ركاب يلتقطون صورهم الأخيرة، ولا في قرار إداري أُجل عدة أيام بسبب الطقس، لأن القضية صارت أوسع من مرفق نقل يتوقف ويعود لاحقًا بعد التطوير. فالمشهد الذي عاشته الإسكندرية بين 11 فبراير و4 أبريل 2026 كشف أن المدينة لا تفقد خطًا قديمًا فقط، بل تختبر مرة أخرى طريقة تعامل السلطة مع الذاكرة العامة حين تصطدم بخطط التحديث. وعندما يقول الراكب إن الترام كان جزءًا من يومه، ويقول العامل إنه قضى فيه أكثر مما قضى في بيته، فإن ذلك يعني أن الأزمة ليست في التطوير نفسه، بل في إدارة ثمنه الإنساني والاجتماعي.

