لم تعد أزمة الفلاح في الإسماعيلية مجرد شكوى موسمية من نقص الوقود أو تعطل ماكينات الري، بل تحولت إلى صرخة مباشرة تكشف كيف تدفع الدولة المزارع إلى حافة الخسارة ثم تطلب منه الصمت. فحين يُمنع الفلاح من ملء جركن الجاز اللازم لري أرضه، في محافظة يعتمد نصف أراضيها على ماكينات الري بالجاز، فإن الأزمة لا تعود تفصيلًا إداريًا ولا إجراءً تنظيميًا عابرًا، بل تصبح تهديدًا مباشرًا للمحصول ولرزق الأسرة وللاستقرار الزراعي كله.

 

تزداد قسوة هذه الأزمة لأن الفلاح لا يطلب دعمًا استثنائيًا ولا امتيازًا إضافيًا، بل يطلب فقط أن يصل الوقود إلى ماكينة الري قبل أن تموت الأرض عطشًا. لكن الرد الذي يتلقاه هو المنع، ثم الإحالة إلى تعليمات أمن، ثم الصمت الرسمي، ثم تركه وحيدًا أمام محصول مهدد بالتلف وخسائر فادحة لا يعوضها أحد. وبهذا المعنى، تكشف الإسماعيلية مرة أخرى كيف تنقل السلطة كلفة فشلها في الإدارة إلى الحلقة الأضعف، ثم تترك الفلاح يواجه النتيجة وحده.

 

تعليمات المنع وضعت الفلاح في مواجهة مباشرة مع تلف الأرض والمحصول

 

بدأت صرخة الاستغاثة من شكوى واضحة أطلقها المزارع ياسر دهشان، الذي تحدث بمرارة عن منعه من ملء جركن البنزين أو الجاز اللازم لري أرضه. وقال الرجل إن محطة الوقود ردت عليه بعبارة واحدة هي أنه لا يوجد صرف في الجراكن، ثم تركته من دون بديل عملي. وتكشف هذه الشهادة أن الأزمة ليست في ارتفاع السعر فقط، بل في المنع المباشر لوصول الوقود إلى وسيلة الري نفسها.

 

ثم حملت كلمات ياسر دهشان معنى أشد قسوة حين قال إنه يُطلب منه عمليًا أن يترك المحصول أو يقتلع الأرض ويبيعها مباني، قبل أن تصدر له الدولة لاحقًا قرارات إزالة. ويظهر من هذا الكلام أن الفلاح لا يرى ما يحدث أزمة محطة أو موظف، بل يراه مسارًا كاملًا يدفعه إلى خسارة أرضه ومحصوله ثم يحاصره بالقانون بعد ذلك إذا حاول البحث عن مخرج.

 

كما وسع دهشان شكواه حين سأل بوضوح عن غياب المحافظ والرقابة التموينية، مؤكدًا أن مشاكل المزارعين أصبحت كثيرة من دون تدخل حقيقي لحلها. وهذه النقطة بالذات تكشف أن الأزمة لم تعد فردية أو مرتبطة بحالة واحدة، بل صارت عنوانًا على تدهور أوسع في العلاقة بين الإدارة المحلية وبين الفلاحين الذين يواجهون أعباء الري والوقود والإنتاج من دون حماية فعلية.

 

وفي السياق نفسه، وجه دهشان نداءً مباشرًا إلى قيادات التموين في المحافظة، وعلى رأسهم وكيل وزارة التموين والتجارة الداخلية بالإسماعيلية، مطالبًا بسرعة النزول الميداني إلى محطات الوقود لضبط العمل ووضع حلول خاصة للمزارعين. وتكشف هذه المطالبة أن الفلاحين لم يعودوا يطلبون وعودًا أو بيانات، بل يطلبون تدخلًا مباشرًا في الميدان يضمن وصول السولار والجاز إلى الأراضي قبل فوات الأوان.

 

وفي هذا المعنى، يؤكد حسين أبو صدام، نقيب الفلاحين، أن أخطر ما يواجه المزارع ليس ارتفاع التكلفة وحده، بل انقطاع المدخل الضروري في توقيت حرج من الموسم الزراعي. وتكتسب هذه الإشارة أهميتها هنا لأن الري ليس أمرًا مؤجلًا يمكن تعويضه بسهولة، بل عملية مرتبطة بوقت محدد، وإذا تعطل الوقود تعطل معه النبات نفسه وقدرة الأرض على الاستمرار.

 

الصمت الرسمي وذريعة التعليمات الأمنية يكشفان أن الدولة تدير الأزمة ضد الفلاح لا معه

 

قال ياسر دهشان بوضوح إن الفلاحين تواصلوا مع وكيل وزارة التموين، لكن الرد الذي تلقوه كان أن ما يجري عبارة عن تعليمات أمن. وتحمل هذه العبارة معنى خطيرًا، لأن الدولة حين تدفع الفلاح إلى الجهة الأمنية بدل الجهة الخدمية، فإنها تنقل المشكلة من مجال الحل الإداري إلى مجال المنع والقيد، وكأن المزارع الذي يريد ري أرضه تحول إلى طرف مشتبه فيه لا إلى مستحق لخدمة أساسية.

 

ثم تتضاعف خطورة هذا المسار لأن الإسماعيلية، وفق ما قاله دهشان، تعتمد في نصف أراضيها على ماكينة الري بالجاز. ويعني ذلك أن منع ملء الجراكن ليس قرارًا محدود الأثر، بل قرار يضرب مباشرة دورة الزراعة في مساحة واسعة من المحافظة. ولذلك فإن التذرع بالتعليمات الأمنية لا يبدو تفسيرًا محايدًا، بل يبدو عنوانًا لعجز الدولة عن التفرقة بين ضبط التوزيع وبين خنق المزارع.

 

كما لم يغفل دهشان توجيه رسالته إلى نواب البرلمان، متسائلًا عن دور نواب الشيوخ ونواب الإسماعيلية في مواجهة ما وصفه بتعب الناس وغياب الحل. ويكشف هذا النداء أن الفلاح يشعر بأن كل المستويات الرسمية غائبة، من المحطة إلى التموين إلى المحافظ إلى النواب، وهو شعور بالغ الخطورة لأنه يفضح انهيار قنوات التمثيل والحل في وقت تتعلق فيه المسألة بالمحصول والرزق المباشر.

 

وبسبب ذلك، لم تعد الأزمة أزمة وقود بالمعنى الفني فقط، بل أزمة إدارة عامة اختارت أن تواجه الاستغاثة بالصمت، وأن تواجه الشكوى بالمنع، وأن تواجه خطر تلف المحاصيل بعبارة مختصرة هي تعليمات أمن. وهذا النوع من الإدارة لا يحمي السوق ولا الدعم ولا التوزيع، بل يحمي فقط عجز السلطة عن الاعتراف بأن الفلاح صار يدفع ثمن سوء التنظيم كاملا من أرضه وجيبه وعرقه.

 

وفي هذا الإطار، يرى الخبير الزراعي نادر نور الدين أن أي سياسة تتعلق بوقود الزراعة يجب أن تنطلق من طبيعة الموسم واحتياجات الري الفعلية لا من منطق المنع العام المجرد. وتظهر قيمة هذا الرأي هنا لأن الإدارة التي لا تميز بين وقود الضرورة الزراعية وبين أي استخدام آخر تنتهي إلى النتيجة نفسها، وهي تعطيش الأرض وتعطيل الزراعة باسم الضبط والتنظيم.

 

أزمة الجاز في الإسماعيلية تهدد الأمن الزراعي وتفتح باب خسائر فادحة في الريف

 

تأتي هذه الاستغاثة في ظل تصاعد شكاوى المزارعين من نقص السولار والجاز، وهو نقص لا يقف أثره عند حدود الانزعاج أو تعطل يوم عمل، بل يهدد بتلف المحاصيل نفسها. وحين يتأخر الري بسبب غياب الوقود، لا يملك المزارع مساحة واسعة للمناورة، لأن النبات لا ينتظر قرارات التموين، ولا يتحمل بطء الإدارة، ولا يعوضه أحد إذا مات في الأرض قبل وصول الجركن.

 

ثم تزداد الخسارة لأن المزارع في هذه الحالة لا يخسر الوقود فقط، بل يخسر ما سبق أن أنفقه على البذور والسماد والعمالة والنقل والرعاية. ويعني ذلك أن منع ملء الجراكن لا يوقف ماكينة ري فحسب، بل يوقف دورة إنتاج كاملة استثمر فيها الفلاح ماله وجهده طوال الشهور الماضية. ولهذا فإن الأزمة لا تُقاس بعدد الجراكن الممنوعة، بل بحجم الخسائر المتراكمة التي تصيب الريف كله.

 

كما تكشف هذه الحالة أن وصول الدعم إلى مستحقيه لم يعد مسألة مضمونة، رغم أن الدولة تكرر الحديث عنه في كل مناسبة. فالفلاح الذي يفترض أنه أول من يحصل على الوقود اللازم للإنتاج الزراعي يجد نفسه ممنوعًا من الصرف، بينما يبقى السؤال معلقًا عن أين يذهب الوقود، وكيف يضبط التوزيع، ولماذا تتحول الحلقة الأضعف مرة أخرى إلى الحلقة المحرومة من كل شيء.

 

وفي هذا المعنى، يوضح الخبير الاقتصادي عبد الحافظ الصاوي أن أي تعطل في المدخلات الأساسية للزراعة لا يظل محصورًا في الريف، بل ينتقل لاحقًا إلى السوق والأسعار والغذاء. وتكتسب هذه الملاحظة معناها هنا لأن أزمة الجاز في الإسماعيلية لا تخص فلاحًا واحدًا ولا قرية واحدة، بل تهدد سلسلة أوسع تبدأ من ماكينة الري وتنتهي على موائد الناس في المدن والقرى معًا.

 

بعد ذلك، يصبح السؤال الأثقل هو كيف تدفع الدولة الفلاح إلى حافة الخسارة ثم تتركه يصرخ وحده في المجال العام طلبًا للتدخل. فالمزارع هنا لم يطلب إسقاط ديونه، ولم يطلب إعفاءات ضخمة، بل طلب فقط أن يملأ جركنًا ليشغل ماكينة ري تحمي محصوله من التلف. وعندما تعجز الدولة عن تأمين هذا الحد الأدنى، فإنها تكشف أن خطابها عن دعم الإنتاج الزراعي ليس أكثر من كلام لا يصمد أمام امتحان الميدان.

 

كما أن خطورة ما يجري لا تتوقف عند خسارة الموسم الحالي، لأن تكرار هذا النمط يدفع المزارع إلى اليأس من الزراعة نفسها. وعندما يبدأ الفلاح في التساؤل عما إذا كان عليه أن يقلع المحصول ويترك الأرض أو يبيعها، فإن الأزمة تكون قد تجاوزت نطاق الوقود المؤقت، ودخلت نطاقًا أخطر يتعلق بكسر الثقة في جدوى البقاء في الأرض والعمل فيها من الأصل.

 

وأخيرًا، تكشف صرخة ياسر دهشان وما تبعها من شكاوى متصاعدة أن الإسماعيلية لا تواجه خللًا إداريًا بسيطًا، بل تواجه لحظة فضح كاملة لطريقة تعامل الدولة مع الفلاح. فقد منعت الجراكن، وغابت الرقابة، وتأخر التموين، وصمت النواب، وبقي المحصول وحده في مواجهة العطش. ولذلك لا يبدو التدخل العاجل مطلبًا خدماتيًا فقط، بل ضرورة لإنقاذ ما تبقى من الثقة بين الفلاح والدولة قبل أن تتحول الأرض نفسها إلى شاهد جديد على الفشل.