رفعت الحكومة سعر الغاز المورد لمصانع الأسمدة إلى 8.5 دولار للمليون وحدة حرارية، بزيادة تقارب 21 في المئة عن السعر السابق الذي تراوح بين 7 و7.8 دولار، في خطوة تكشف أن السلطة اختارت مرة أخرى نقل أثر أزمتها المالية إلى مدخلات الإنتاج الزراعي بدل معالجة جذور الاختلال في الطاقة والعملة والديون. وجاء القرار في لحظة ترتفع فيها كلفة الاستيراد وتتسع فيها الضغوط الإقليمية، بينما تكرر الحكومة خطابًا يقول إنها تحمي الصناعة، في الوقت الذي تفتح فيه الباب أمام ضغوط جديدة على أسعار السماد والغذاء.

 

تكشف هذه الزيادة أن الحكومة لم تعد تدير ملف الطاقة بوصفه ملفًا إنتاجيًا يراعي أثره على الأمن الغذائي، بل بوصفه ملفًا ماليًا يسعى إلى تخفيف الضغط عن الموازنة ولو على حساب الفلاحين والسوق المحلية. وهذا المعنى يزداد وضوحًا لأن الدولة خفضت بالفعل في 2025 الكميات التي تتسلمها وزارة الزراعة من الأسمدة المنتجة، ثم عادت الآن إلى رفع سعر الغاز نفسه، بما يجعل الكلفة تنتقل من المصنع إلى السماد ثم إلى الأرض ثم إلى المستهلك الأخير.

 

الزيادة الجديدة في سعر الغاز تعني دعمًا أقل للأسمدة وكلفة أعلى على الزراعة

 

رفع سعر الغاز إلى 8.5 دولار للمليون وحدة حرارية يعني أن أحد أهم عناصر تكلفة صناعة الأسمدة في مصر تحرك صعودًا دفعة واحدة، في قطاع يعتمد على الغاز بوصفه مدخلًا رئيسيًا لا عنصرًا هامشيًا. ولذلك لا يبدو القرار شأنًا صناعيًا داخليًا يخص الشركات فقط، بل خطوة تمس مباشرة معادلة السماد المدعوم والحر في السوق المحلية، وتعيد فتح ملف تكلفة الزراعة كلها في بلد يعتمد على الإنتاج المحلي من الخضراوات والفاكهة لتغطية القسم الأكبر من احتياجاته الغذائية.

 

ثم تتأكد خطورة القرار حين نضعه بجوار ما حدث في 2025، عندما خفضت الحكومة نسبة ما يسلم لوزارة الزراعة من إنتاج شركات الأسمدة من 55 في المئة إلى ترتيبات أقل ضمن بروتوكولات جديدة تربط بين التوريد للزراعة والسوق المحلية والتصدير. وهذا التحول يكشف أن الدولة لا تعالج أزمة الأسمدة بزيادة الإمداد المدعوم، بل بإعادة توزيع الحصص بما يحمي الشركات من الخسائر ويترك الفلاح يواجه سوقًا أكثر تقلبًا وأقل استقرارًا.

 

كما يصبح الحديث الرسمي عن أن الحكومة لا تفكر في زيادة أسعار الطاقة لكل الصناعات مجرد محاولة لتخفيف وقع القرار سياسيًا، لأن قطاع الأسمدة ليس قطاعًا عاديًا يمكن عزله عن أثره الاجتماعي. فالأسمدة ترتبط مباشرة بالإنتاج الزراعي وأسعار الغذاء، وأي زيادة في تكلفتها لا تتوقف عند المصنع، بل تنعكس على الفلاح وعلى كلفة المحصول وعلى المستهلك. ولهذا فإن استثناء الأسمدة من خطاب الطمأنة العام يعني عمليًا استثناء الغذاء نفسه من أي حماية حقيقية.

 

وفي هذا السياق، يلفت الباحث الزراعي أحمد أبو بكر في دراسة منشورة عن تراجع دعم الأسمدة إلى أن اضطراب سوق المدخلات الزراعية لا يقود فقط إلى نقص السماد أو ارتفاعه، بل يكشف أزمة هيكلية تمس الأمن الغذائي والسيادة الاقتصادية معًا. وتكتسب هذه الملاحظة وزنها هنا لأن زيادة سعر الغاز لا تظهر كقرار منفصل، بل كحلقة جديدة في مسار يضع العبء على المدخل الزراعي الأساسي بدل أن يوفر له استقرارًا طويل المدى.

 

الحرب وارتفاع تكلفة الطاقة أصبحا ذريعة لتمرير أعباء الموازنة إلى الإنتاج

 

جاء القرار في ظل تأثير كبير للحرب على إيران في المنطقة، وهي حرب رفعت كلفة استيراد الغاز والنفط ووسعت الضغط على المالية العامة المصرية. لكن الحكومة لم تتعامل مع هذه التطورات باعتبارها سببًا لإعادة ترتيب أولويات الإنفاق أو لتقليل الهدر في ملفات أخرى، بل تعاملت معها باعتبارها مبررًا لرفع أسعار بعض السلع والخدمات ومدخلات الإنتاج تدريجيًا. وبذلك أصبحت الحرب ذريعة جاهزة لتحميل السوق المحلية كلفة الاختلال الخارجي بدل امتصاصه بسياسة اقتصادية أكثر عدالة.

 

ثم يزداد الأمر وضوحًا لأن الحكومة نفسها أقرت في سبتمبر 2025 بزيادة أسعار الغاز للمصانع، وربطت ذلك ببروتوكولات جديدة تنظم حصص التوريد للأسمدة بين وزارة الزراعة والسوق المحلية والتصدير. وهذا يعني أن مسار الزيادة لم يبدأ الآن، بل هو جزء من اتجاه مستمر تصعد فيه كلفة الطاقة على القطاع تدريجيًا، بينما يعاد ضبط سوق السماد بطريقة تمنح أولوية لاستمرار الشركات لا لاستقرار سعر المدخل الزراعي للفلاح.

 

كما تكشف تصريحات الحكومة عن “دراسة علمية وعملية” لتأثير الزيادة أن السلطة تريد تقديم القرار بوصفه محسوبًا ومدروسًا، لكن نتائج السياسات السابقة لا تدعم هذا الادعاء. فكلما ارتفعت كلفة الطاقة أو تقلصت الحصص المدعومة عادت سوق الأسمدة إلى الاضطراب، وعادت معها الشكوى من ارتفاع الكلفة الزراعية ومن اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الفعلي. ولذلك لا يبدو المسار الحالي تصحيحًا مدروسًا بقدر ما يبدو استمرارًا لسياسة ترحيل الأزمة إلى الحلقة الأضعف.

 

وفي هذا الإطار، يرى مدحت نافع أن الخطر الحقيقي في الاقتصاد المصري يظل في الدين والمشكلات الهيكلية لا في المؤشرات الجزئية التي تبدو أفضل لبعض الوقت. وتساعد هذه الرؤية على فهم قرار الغاز هنا، لأن الحكومة لا ترفع السعر من موقع اقتصاد متوازن، بل من موقع اقتصاد مثقل بأعباء خارجية وداخلية يدفعه إلى البحث عن موارد إضافية في كل ملف، حتى لو كان هذا الملف هو السماد الذي يقوم عليه الغذاء.

 

الفلاح يدفع أولًا ثم يدفع المستهلك بعده لأن السماد مدخل مباشر للغذاء

 

تمثل الأسمدة في السوق المحلية أهمية كبيرة للحكومة نفسها، لأنها تؤثر مباشرة في أسعار الغذاء وفي قدرة الزراعة المحلية على تلبية احتياجات المواطنين. ومع وجود نسب فقر مرتفعة، يصبح أي اضطراب في سوق السماد مسألة اجتماعية تتجاوز حدود المصنع والمصدر. ولذلك فإن رفع سعر الغاز إلى هذا المستوى لا يمكن النظر إليه بوصفه قرارًا صناعيًا ضيقًا، لأن أثره ينتقل على الفور إلى بنية الإنتاج الزراعي وإلى كلفة المعيشة في الريف والمدينة معًا.

 

ثم إن الحكومة تعلم هذا الأثر جيدًا، بدليل أنها اضطرت سابقًا إلى تثبيت سعر السماد المدعوم وتحمل دعم إضافي لتفادي قفزة أكبر في أسعار الغذاء. لكن القرار الحالي يسير في الاتجاه المعاكس، لأنه يرفع تكلفة الغاز على المنتجين في لحظة لا تزال فيها السوق هشة، ما يهدد بإحياء الضغوط نفسها التي حاولت الدولة احتواءها من قبل. وهذا التناقض يكشف أن السلطة لم تعد تدير الملف برؤية مستقرة، بل بردود فعل مالية متلاحقة.

 

كما يظهر الخطر في أن الفلاح لا يملك هوامش واسعة لامتصاص الزيادة. فعندما ترتفع تكلفة السماد، لا يستطيع المنتج الزراعي الصغير غالبًا أن يحافظ على السعر القديم لمحصوله، ولا يستطيع في الوقت نفسه أن يقلل الاستخدام من دون أثر على الإنتاجية. وهكذا يتحول القرار من زيادة على المصنع إلى عبء على الأرض نفسها. وبعد ذلك ينتقل هذا العبء إلى أسواق الخضار والفاكهة حيث يدفع المستهلك الكلفة النهائية كاملة.

 

وفي هذا المعنى، يؤكد حسين أبو صدام أن أي ارتفاع في مدخلات الإنتاج الزراعي ينعكس في النهاية على الفلاح وعلى المستهلك معًا، لأن المزارع يعمل أصلًا بهوامش ضيقة ولا يستطيع تحمل زيادات كبيرة في السماد والعلف والوقود من دون أن ينقلها إلى السعر النهائي. وتبرز أهمية هذا الرأي هنا لأن الحكومة لا ترفع سعر الغاز في فراغ، بل في بيئة زراعية ومعيشية تعاني أصلًا من ضغط التكلفة وضعف القدرة الشرائية.

 

بعد ذلك، يصبح الحديث عن “الحفاظ على استقرار القطاع الصناعي المدعوم من القيادة السياسية” خطابًا منقوصًا، لأن الاستقرار الحقيقي لا يُقاس فقط بقدرة المصنع على الاستمرار، بل أيضًا بقدرة السوق الزراعية على الحصول على السماد من دون قفزات حادة، وبقدرة الأسر الفقيرة على شراء الغذاء من دون موجة جديدة من الارتفاع. وعندما يغيب هذا التوازن، يكون القرار قد حمى حلقة واحدة مؤقتًا وترك بقية السلسلة تواجه الاضطراب.

 

وفي هذا الإطار، يوضح فخري الفقي أن أي سياسة دعم أو تسعير لا تراعي انتقال التكلفة عبر حلقات الإنتاج تنتهي إلى نتائج تضخمية أوسع من نطاقها المباشر. وتمنح هذه الملاحظة قرار رفع الغاز معناه الكامل، لأن الكلفة لا تتوقف عند شركة الأسمدة، بل تعبر إلى الحيازة الزراعية الصغيرة ثم إلى الأسواق الشعبية حيث تظهر آثارها على الغذاء اليومي للمصريين.

 

وأخيرًا، يكشف رفع سعر الغاز لمصانع الأسمدة إلى 8.5 دولار أن الحكومة اختارت مرة أخرى سد ضغوطها المالية بنقلها إلى الاقتصاد الحقيقي بدل علاجها من جذورها. فقد رفعت كلفة الغاز، وقلصت سابقًا حصة الزراعة من الأسمدة، وتركت الغذاء معلقًا بين تقلبات الطاقة والسوق. ولذلك لا يبدو القرار مجرد تعديل سعري تقني، بل خطوة جديدة في مسار يحمل الفلاح والمستهلك فاتورة الحرب والديون وسوء الإدارة في وقت واحد.