حصلت الحكومة المصرية على قرض جديد من اليابان بقيمة تقارب 220 مليون دولار في لحظة تكشف أن السلطة لم تغادر دائرة الاستدانة رغم كل ما ترفعه من شعارات عن الإصلاح والاستدامة والاعتماد على القطاع الخاص.

وجاء القرض في وقت يعاني فيه الاقتصاد من أزمة عاصفة ظهرت في خروج الأموال الساخنة وارتفاع سعر الدولار واتساع الضغوط على الموازنة، وهو ما يجعل هذا التمويل الجديد جزءًا من مسار مأزوم لا من خطة تعاف مستقرة.

 

تكشف هذه الخطوة أن الحكومة لا تزال تلجأ إلى القروض حتى وهي تتحدث عن تقليص دور الدولة وتنويع القاعدة الاقتصادية، لأن الواقع يشير إلى عكس ذلك تمامًا.

فكل قرض جديد يقدم بوصفه دعمًا للإصلاح، ثم ينتهي إلى إضافة عبء جديد على رصيد الدين الخارجي، في بلد ارتفع فيه هذا الدين إلى 163.7 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2025، بما يضع الاقتصاد كله تحت ضغط السداد لا تحت أفق النمو الحقيقي.

 

القرض الياباني الجديد يضيف تمويلًا ميسرًا لكنه يؤكد أن الحكومة لم تخرج من منطق الاستدانة

 

حصلت الحكومة على القرض الياباني الجديد بقيمة نحو 220 مليون دولار لدعم الموازنة ودفع ما تصفه بإصلاحات القطاع الخاص.

ووفق اتفاقية القرض، جاء التمويل بسعر فائدة يبلغ 1.5 في المئة، مع جدول سداد يمتد لعشرين عامًا، بينها عشر سنوات فترة سماح.

ويعني ذلك أن القرض يبدو ميسرًا في شروطه المالية، لكنه يظل دينًا جديدًا يضاف إلى رصيد متضخم أصلًا.

 

ثم يتضح المعنى السياسي للقرض من التزامات الحكومة المصاحبة له، إذ وافقت على برنامج إصلاح مصمم لتنويع القاعدة الاقتصادية وتقليص مساهمة الدولة في الاقتصاد.

وهذه الصياغة تكررت في اتفاقات سابقة كثيرة، لكنها لم تؤد حتى الآن إلى تراجع ملموس في اعتماد الدولة على الاقتراض أو إلى توسيع حقيقي لدور القطاع الخاص، بل جرى استخدامها مرارًا كغطاء لطلب تمويلات جديدة.

 

كما جاء هذا التمويل الياباني بعد أيام قليلة من موافقة مجلس النواب على اتفاقية قرض أخرى بقيمة 300 مليون دولار تحت عنوان برنامج تعزيز المرونة والفرص والرفاهية في مصر.

ويكشف هذا التتابع السريع أن الحكومة لا تتحرك نحو تخفيف الاعتماد على الاقتراض، بل تتحرك داخل سلسلة متصلة من الديون التي تعيد إنتاج نفسها تحت مسميات مختلفة، بينما يظل الجوهر واحدًا وهو سد الفجوات بالاقتراض.

 

وفي السياق نفسه، وافق البرلمان كذلك على منحة بقيمة 300 ألف دينار كويتي من الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي للمساهمة في تمويل دراسة جدوى لزيادة قدرة خط الربط الكهربائي بين مصر والأردن.

ورغم أن هذه الخطوة أقل حجمًا من القروض، فإنها تضاف إلى الصورة العامة التي تؤكد أن الدولة تعتمد في تمويل ملفاتها الأساسية على الخارج حتى في مراحل الدراسة والتجهيز.

 

وفي هذا المعنى، يرى الخبير الاقتصادي مدحت نافع أن المشكلة في الاقتصاد المصري لم تعد في سعر التمويل وحده، بل في استمرار الاعتماد على الدين كأداة رئيسية لإدارة الاختلالات.

وتكتسب هذه الملاحظة وزنها هنا لأن القرض الياباني، رغم فائدته المنخفضة، لا يغير حقيقة أن الحكومة توسع التزاماتها الخارجية في لحظة يفترض أنها تعمل فيها على تقليل هذه الالتزامات.

 

وعود الإصلاح تتكرر مع كل قرض بينما يستمر توسع الدين الخارجي على الأرض

 

تقدم الحكومة القرض الجديد بوصفه تمويلًا يدعم إصلاحات القطاع الخاص، لكن سجل السنوات الماضية يكشف أن هذه اللغة صارت جزءًا ثابتًا من كل اتفاق تمويلي تقريبًا.

فالدولة تتعهد في كل مرة بتنويع الاقتصاد وتقليص دورها وتحفيز الاستثمار، ثم تعود بعد ذلك إلى الاقتراض مجددًا لتغطية ضغوط العملة والموازنة والالتزامات الخارجية.

وهكذا تتحول وعود الإصلاح إلى صيغة مكررة لا إلى تحول فعلي في السياسة الاقتصادية.

 

ثم تؤكد أرقام الدين الخارجي أن المشكلة لا تتراجع بل تتفاقم، إذ ارتفع الدين الخارجي لمصر بنحو 2.48 مليار دولار خلال الربع الثالث من 2025، ليسجل 163.7 مليار دولار بنهاية سبتمبر، مقابل 161.23 مليار دولار في يونيو.

وهذه الزيادة جاءت رغم كل ما تردده الحكومة عن ضبط المديونية وتحسين المؤشرات، بما يعني أن القروض الجديدة لا تخفف العبء، بل تدفعه إلى مستوى أعلى.

 

كما يكشف توقيت هذا القرض أن الحكومة تلجأ إلى التمويل الخارجي في ظل أزمة اقتصادية عاصفة كان من أبرز ملامحها خروج الأموال الساخنة وارتفاع سعر الدولار.

ويعني ذلك أن الدولة لا تستخدم القرض في لحظة استقرار تسمح بتوظيفه في توسع إنتاجي آمن، بل تستخدمه في لحظة ضغط حاد على العملة والموازنة، وهو ما يجعل أثره أقرب إلى التسكين المؤقت منه إلى المعالجة الجذرية.

 

وبسبب ذلك، لا تبدو الفائدة البالغة 1.5 في المئة عنصر طمأنة كافيًا في حد ذاته، لأن انخفاض الفائدة لا يلغي أصل المشكلة المتمثل في تراكم الدين ذاته.

فالقرض الميسر يظل التزامًا مؤجلًا، ومع تراكم التزامات مماثلة عبر سنوات طويلة، يتحول ما يبدو مريحًا في لحظة التوقيع إلى ضغط ثقيل عند اتساع جدول السداد وتداخل الدائنين وتعدد الاستحقاقات.

 

وفي هذا الإطار، يلفت الخبير الاقتصادي ممدوح الولي النظر إلى أن الاعتماد المستمر على التمويل الخارجي يجعل الاقتصاد المصري أكثر حساسية لصدمات العملة والتقلبات الدولية، لأن أي هزة في التدفقات أو سعر الصرف تنعكس فورًا على كلفة الدين وخدمته.

وتساعد هذه القراءة على فهم لماذا لا يمكن التعامل مع القرض الياباني باعتباره مجرد تمويل ميسر منفصل عن السياق العام للأزمة.

 

القروض الجديدة لا تحمي الاقتصاد بل تؤجل الانفجار وتضعف موقع الدولة المالي والنقدي

 

جاء القرض الياباني الجديد بعد خروج الأموال الساخنة وارتفاع سعر الدولار، وهما علامتان واضحتان على هشاشة الوضع النقدي والمالي.

ولذلك لا يمكن فصل هذا التمويل عن وظيفة أكثر ضيقًا تتمثل في توفير سيولة تساعد الدولة على المرور من لحظة الضغط، لا في بناء قاعدة مستقرة للإنتاج أو التصدير.

وهذه هي المشكلة الأساسية في نمط الاقتراض الحالي، لأنه يؤخر الأزمة بدل أن يحلها.

 

ثم ينعكس هذا النمط مباشرة على موقع الدولة المالي، لأن كل قرض جديد يضيف التزامًا جديدًا على موازنة تعاني أصلًا من أعباء خدمة الدين.

ومع ارتفاع الدين الخارجي إلى 163.7 مليار دولار، يصبح المجال المتاح للإنفاق على التنمية والخدمات أضيق، بينما يتوسع نصيب السداد والفوائد.

وهنا لا يكون الاقتصاد أمام فرصة تمويلية، بل أمام قيد إضافي يضغط على أولويات الدولة ومجتمعها.

 

كما أن ربط هذه القروض بملف إصلاح القطاع الخاص يطرح مفارقة واضحة، لأن القطاع الذي يفترض أن يقود النمو لا يزال يعمل في بيئة مثقلة بسعر صرف مضطرب وكلفة تمويل مرتفعة ودور حكومي واسع.

ولذلك تبدو الاتفاقات التي تحمل هذا العنوان أقرب إلى محاولة إرضاء الدائنين والشركاء الدوليين من كونها تعبيرًا عن تحول حقيقي يحرر النشاط الاقتصادي من الاختناق القائم.

 

وفي هذا السياق، يرى وائل النحاس أن أخطر ما في الاستدانة المتكررة ليس فقط زيادة الرقم الكلي للدين، بل تعويد الدولة على اللجوء إلى التمويل الخارجي كلما ظهرت فجوة جديدة في العملة أو الموازنة.

وتكتسب هذه الملاحظة أهميتها لأن تكرار القروض يجعل الحكومة أقل ميلًا إلى الإصلاح الحقيقي، وأكثر ميلًا إلى تأجيل الكلفة السياسية والاقتصادية عبر دين جديد بشروط تبدو مريحة في البداية.

 

بعد ذلك، يصبح السؤال الحقيقي ليس لماذا حصلت الحكومة على قرض جديد، بل لماذا لم تستطع حتى الآن بناء وضع اقتصادي يقلل حاجتها إلى هذا القرض.

فالدولة التي ترفع شعار الإصلاح منذ سنوات، ثم تعود في كل أزمة إلى الاقتراض، تكشف أن بنيتها الاقتصادية لم تتغير جذريًا. بل إن اعتمادها على الدين صار جزءًا من طريقة الإدارة نفسها، لا مجرد استثناء تفرضه الظروف العابرة.

 

وأخيرًا، يؤكد القرض الياباني الجديد، مع القرض السابق البالغ 300 مليون دولار، ومع الزيادة المستمرة في الدين الخارجي، أن الحكومة المصرية لم تنجح في الخروج من الحلقة نفسها التي تدور فيها منذ سنوات.

فهي تقترض لدعم الموازنة، وتتعهد بالإصلاح، ثم ترتفع المديونية أكثر، بينما يبقى الدولار ضاغطًا والاقتصاد هشًا.

ولذلك لا يبدو القرض الجديد نجاحًا ماليًا، بل دليلًا إضافيًا على فشل السلطة في بناء اقتصاد يعيش من إنتاجه لا من ديونه.