قال محمود عصمت، وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، خلال مؤتمر صحفي حكومي، السبت، أن الوزارة لم ترفع أسعار الكهرباء منذ عامين،.لكن مراجعة التعريفة الرسمية المنشورة على موقع جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك تكشف أن هذا التصريح يصطدم مباشرة بالأرقام، لأن الحكومة أقرت زيادة جديدة بدأ تطبيقها على استهلاك أغسطس 2024، أي داخل آخر عامين لا خارجهما.
زيادة رسمية وقعت بالفعل داخل آخر عامين
وفي الوثائق الرسمية نفسها يظهر أن الجهاز نشر تعريفتين مختلفتين للعام 2024، الأولى سارية من 1 يناير 2024 حتى 31 يوليو 2024، والثانية سارية بدءًا من استهلاك أغسطس 2024. هذا الفارق الزمني وحده يهدم رواية الوزير، لأن وجود تعريفتين مختلفتين خلال العام نفسه يعني أن السعر لم يبق ثابتًا لعامين كما قال، بل تحرك رسميًا بقرار معلن ومنشور.
ثم إن الشريحة المنزلية الأولى حتى خمسين كيلوواط ساعة ارتفعت من 58 قرشًا في تعريفة يناير 2024 إلى 68 قرشًا في تعريفة أغسطس 2024. وارتفعت الشريحة من 51 إلى 100 كيلوواط ساعة من 68 قرشًا إلى 78 قرشًا. وهذه ليست فروقًا شكلية، بل زيادات مباشرة وثابتة في السعر المعلن الذي يدفع عليه المشترك قيمة استهلاكه الشهري.
كما أن الشريحة من 101 إلى 200 كيلوواط ساعة ارتفعت من 83 قرشًا إلى 95 قرشًا. وارتفعت الشريحة من 201 إلى 350 كيلوواط ساعة من 125 قرشًا إلى 155 قرشًا. وعندما تصدر هذه الأرقام عن الجهة التنظيمية الرسمية، يصبح أي حديث عن ثبات الأسعار منذ عامين نفيًا لزيادة موثقة لا تحتاج إلى تفسير إضافي أو تأويل سياسي.
الشرائح العليا تلقت زيادات أكبر لا أصغر
وبالانتقال إلى الشرائح الأعلى، يتضح أن الزيادة لم تتوقف عند حدود الاستهلاك المنخفض، بل امتدت بقسوة إلى الشرائح التي تتحمل أصلًا فواتير أكبر. فقد رفعت الحكومة الشريحة من 351 إلى 650 كيلوواط ساعة من 140 قرشًا إلى 195 قرشًا، بينما رفعت شريحة أكثر من 650 وحتى 1000 كيلوواط ساعة من 150 قرشًا إلى 210 قروش.
ثم زادت الحكومة سعر من يستهلك أكثر من 1000 كيلوواط ساعة من 165 قرشًا إلى 223 قرشًا. وهذه القفزة لا يمكن وصفها بالتثبيت، لأن الزيادة هنا تتجاوز الثلث تقريبًا. وعندما يخرج الوزير ليقول إن الأسعار لم ترتفع منذ عامين، فإنه يكذب الجداول الرسمية التي تنشرها مؤسسات الدولة نفسها.
كذلك لم تقتصر الزيادة على المنازل وحدها، لأن تعريفة المحلات التجارية ارتفعت أيضًا في أغسطس 2024. فالشريحة حتى 100 كيلوواط ساعة صعدت من 65 قرشًا إلى 85 قرشًا، وارتفعت شريحة حتى 250 كيلوواط ساعة من 136 قرشًا إلى 168 قرشًا، ثم قفزت شرائح الاستهلاك الأعلى إلى 220 و227 و233 قرشًا بحسب حجم الاستهلاك.
وهنا يسقط جوهر تصريح الوزير مرتين لا مرة واحدة، لأن الزيادة لم تطل بندًا محدودًا أو فئة استثنائية، بل شملت الاستخدامات المنزلية والتجارية معًا. وهذا يعني أن الدولة لم تجمد الأسعار لعامين كما قيل، بل عدلتها رسميًا خلال هذه المدة، ومررت زيادات متفاوتة بحسب الشرائح، ثم خرج الوزير لينفي ما هو منشور على موقع الجهاز المختص.
الفاتورة نفسها تثبت أن المواطن دفع أكثر
وعندما تتحول الأرقام إلى فاتورة شهرية، تصبح الصورة أكثر وضوحًا. فالمشترك الذي يستهلك خمسين كيلوواط ساعة كان يدفع 29 جنيهًا قيمة استهلاك وفق تعريفة يناير 2024، ثم أصبح يدفع 34 جنيهًا بعد تعريفة أغسطس 2024. والمشترك الذي يستهلك مئة كيلوواط ساعة كان يدفع 63 جنيهًا، ثم أصبح يدفع 73 جنيهًا لنفس الكمية تقريبًا.
ثم إن من يستهلك مئتي كيلوواط ساعة كان يدفع 166 جنيهًا، ثم أصبح يدفع 190 جنيهًا بعد الزيادة. ومن يستهلك 350 كيلوواط ساعة ارتفعت عليه قيمة الطاقة من 437.5 جنيهًا إلى 542.5 جنيهًا. وهذه الزيادات لا تحتاج إلى خطاب حكومي كي يشرحها، لأن الفاتورة نفسها تؤكد أن المواطن دفع أكثر بعد أغسطس 2024 مما كان يدفعه قبلها.
كما أن الفارق يصبح أفدح مع الاستهلاك الأعلى، لأن استهلاك 650 كيلوواط ساعة كان يكلّف 910 جنيهات في بند الطاقة، ثم أصبح 1267.5 جنيهًا. أما استهلاك ألف كيلوواط ساعة فارتفع من 1500 جنيه إلى 2100 جنيه. وعندما تزيد مئات الجنيهات على الفاتورة الشهرية، يصبح إنكار الزيادة خروجًا صريحًا على الحساب لا مجرد خطأ في التعبير.
تصريحات التخفيف تصطدم بوقائع التحصيل
ومع ذلك أعاد الوزير في تصريحه المنشور التأكيد على أن عدم رفع الأسعار جاء مراعاةً لتخفيف الأعباء عن المواطنين. لكن المستندات الرسمية تظهر أن هذه الأعباء زادت بالفعل في أغسطس 2024، وأن الدولة انتقلت من تعريفة أدنى إلى تعريفة أعلى في جميع الشرائح تقريبًا. ولذلك فإن المشكلة هنا لا تتعلق بالتوصيف السياسي، بل تتعلق بتعارض واضح بين التصريح ووقائع التحصيل.
وأخيرًا لا يحتاج تكذيب الوزير إلى مصدر معارض أو تسريب خاص، لأن موقع جهاز تنظيم مرفق الكهرباء نفسه نشر تعريفة يناير 2024 حتى يوليو 2024، ثم نشر تعريفة جديدة بدءًا من استهلاك أغسطس 2024 بأسعار أعلى. ولهذا فإن القول إن أسعار الكهرباء لم ترتفع منذ عامين ليس دفاعًا عن المواطن، بل إنكار لأرقام رسمية تثبت أن الزيادة وقعت فعلًا وأن المواطن سددها في فاتورته.

