لم تكن موجة الطقس التي ضربت مصر يوم الأربعاء 25 مارس وامتدت إلى فجر الخميس 26 مارس مجرد تقلب جوي عابر. الهيئة العامة للأرصاد حذرت مسبقًا من حالة حادة وسريعة، مع أمطار رعدية غزيرة ورياح قوية على مناطق واسعة من البلاد. لكن ما ظهر على الأرض لم يكن فقط أثر منخفض متوسطي محمل بالرطوبة، بل صورة مباشرة لعجز شبكات التصريف وفشل إدارة المدن والطرق في التعامل مع اختبار متوقع ومعلن سلفًا.

 

الصور التي خرجت من القاهرة الجديدة ومحاور رئيسية في القاهرة ومحافظات الدلتا كانت أوضح من أي بيان رسمي. شوارع حديثة غرقت بالكامل. سيارات تعطلت. الحركة تباطأت أو توقفت. معدات الشفط نزلت بعد تراكم المياه، لا قبله. هنا تسقط الرواية المعتادة التي تحمل الطقس وحده المسؤولية. لأن السؤال لم يعد: لماذا نزل المطر؟ بل: لماذا تغرق شبكة طرق قيل إن تطويرها كلّف مئات المليارات بمجرد ساعات من الأمطار؟

 

الإنذار كان موجودًا.. والانهيار كان أسرع

 

الأرصاد لم تفاجئ أحدًا. التحذير صدر قبل الحالة الجوية بيوم، ونص بوضوح على أمطار قد تكون شديدة الغزارة لساعات، مع رياح عاصفة وتقلبات حادة. هذا مهم لأنه يسحب من يد المسؤولين ذريعة “الظرف المفاجئ”. منار غانم، عضو المركز الإعلامي في هيئة الأرصاد، كانت قد شرحت أن البلاد تتعرض لحالات جوية سريعة وعنيفة، وهو ما يفرض على الأجهزة التنفيذية أن تبني خططها على سيناريوهات أعلى من المعتاد، لا على رد فعل متأخر بعد تجمع المياه.

 

ما جرى بعد ذلك كشف أن الاستعداد المعلن شيء، والكفاءة الفعلية شيء آخر. محافظ القاهرة تحدث قبل الحالة الجوية عن رفع درجة الاستعداد، وتوزيع الشفاطات والمعدات على المحاور والأنفاق ومناطق تجمعات الأمطار. لكن مجرد الحاجة إلى نشر الشفاطات بهذا الشكل يكشف أصل الأزمة: الدولة ما زالت تتعامل مع المطر كحادث طارئ، لا كعبء هندسي يجب أن تستوعبه الشبكة نفسها تلقائيًا.

 

الدكتور أسامة عقيل، أستاذ هندسة الطرق بجامعة عين شمس، قال بوضوح إن عربات شفط المياه ليست حلًا مناسبًا للمحاور الرئيسية، وإن الاعتماد على شبكات الصرف الصحي في استقبال مياه الأمطار هو سبب رئيسي في غرق الشوارع. رأيه هنا يضرب قلب المشكلة. لأن أي طريق حديث بلا شبكة منفصلة وفعالة لتصريف المطر ليس طريقًا مكتملًا، مهما بدا لامعًا في الصور الافتتاحية.

 

أموال ضخمة في الطرق.. وغياب واضح في الكفاءة

 

البيانات الرسمية تتحدث عن إنفاق ضخم على مشروعات النقل خلال السنوات الماضية. وزارة النقل عرضت خطة إجمالية بقيمة 2 تريليون جنيه لقطاعات النقل المختلفة في الفترة 2014 - 2024، بينها نحو 530 مليار جنيه للطرق والكباري وحدها. هذه أرقام ليست هامشية. لذلك يصبح انهيار الكفاءة التشغيلية في أول موجة مطر قوية سؤالًا سياسيًا وإداريًا وهندسيًا في وقت واحد.

 

المشكلة هنا ليست في نقص الإنفاق فقط، بل في أولويات الإنفاق ومعايير التنفيذ والرقابة. الطريق لا يُقاس بطوله أو بعدد الكباري عليه فقط. يُقاس أيضًا بقدرته على الصمود في الظروف الطبيعية المتوقعة. عندما تتعطل المحاور لأن المياه سبقت البالوعات، أو لأن الشبكة لا تستوعب أصلًا، فالمحصلة أن الدولة دفعت كثيرًا في الشكل، وأقل مما يلزم في الوظيفة الأساسية. هذه ليست مبالغة سياسية. هذا استنتاج مباشر من الفجوة بين حجم الإنفاق المعلن والأداء المشهود.

 

الدكتور هشام العسكري، أستاذ الاستشعار عن بعد وعلوم نظم الأرض، سبق أن لفت إلى أن مصر باتت تواجه أمطارًا أكثر تطرفًا وأشد تركزًا في فترات قصيرة، وهي ظواهر مرتبطة بتغيرات مناخية وبتبدل أنماط الطقس المعتادة. معنى ذلك أن التصميم الهندسي القديم أو الأدنى لم يعد كافيًا. ومعنى ذلك أيضًا أن تجاهل هذا التحول لم يعد خطأ فنيًا فقط، بل صار إهدارًا مباشرًا للمال العام.

 

العاصمة الإدارية تفضح ازدواجية المعايير

 

المفارقة الأوضح ظهرت في المقارنة مع العاصمة الإدارية الجديدة. رئيس شركة العاصمة الإدارية خالد عباس كان قد قال إن المدينة مزودة بشبكة لتصريف مياه الأمطار وفق أنظمة حديثة، وإن التراكمات إن حدثت تكون محدودة ولفترات قصيرة. هذه الشهادة لا تبرئ العاصمة تمامًا من أي أثر، لكنها تؤكد نقطة جوهرية: حين توجد شبكة مصممة لهذا الغرض، يختلف المشهد جذريًا.

 

هنا يصبح السؤال أكثر حدة: لماذا تُطبق معايير أعلى في مدينة جرى تقديمها باعتبارها واجهة الدولة الجديدة، بينما تظل القاهرة القديمة، وحتى مناطق مرتفعة الكلفة مثل القاهرة الجديدة، رهينة حلول مؤقتة ومعدات شفط وطوارئ موسمية؟ الفارق لم يعد تفصيلا هندسيًا. الفارق صار عنوانًا لسياسة إنفاق ترى الواجهة قبل الخدمة، والمشهد قبل الكفاءة، والافتتاح قبل الاختبار الحقيقي.

 

النتيجة يدفعها المواطن يوميًا. شلل مروري. سيارات معطلة. دراسة وخدمات مرتبكة. خسائر وقت ومال. ومع كل موجة مطر تعود الأسطوانة نفسها: تحذيرات مبكرة، استعدادات معلنة، ثم غرق فعلي، ثم سحب للمياه بعد وقوع الضرر. ما حدث في 25 مارس و26 مارس لم يكن أزمة طقس بقدر ما كان محضر إثبات جديد ضد بنية تحتية لم تُبن على احتياجات الناس بقدر ما بُنيت على منطق الدعاية والإنجاز الورقي. والأخطر أن هذا المحضر يتكرر، بينما الحل الجذري ما زال غائبًا.