اندلعت مواجهة عسكرية واسعة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران وحلفائها من جهة أخرى، بعد سلسلة ضربات جوية وبحرية وبرية استهدفت مواقع عسكرية إيرانية، تزامنت مع إعلان مقتل المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي.
خلال أسبوع واحد فقط اتسعت رقعة الصراع ليأخذ طابعًا إقليميًا مفتوحًا، وسط مخاوف متزايدة من تأثيره على استقرار المنطقة وأسواق الطاقة العالمية، خاصة مع تهديد طهران بإغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية. وتزايدت التساؤلات حول ما إذا كانت العملية العسكرية الأمريكية التي أطلق عليها اسم “ملحمة الغضب” قد حققت أهدافها، أم أنها فتحت الباب لصراع طويل بتكلفة بشرية واقتصادية كبيرة.
تصعيد عسكري يتجاوز الضربات المحدودة
غيّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نمط العمليات العسكرية الذي اتبعه خلال فترتي رئاسته، حيث كان يميل إلى الضربات السريعة والمحدودة. لكن التطورات الأخيرة أظهرت تحولًا نحو عملية عسكرية واسعة يصفها بعض الخبراء بأنها أكبر تحرك عسكري أمريكي في المنطقة منذ غزو العراق عام 2003.
وأوضح الباحث في شؤون الأمن الدولي مايكل نايتس من معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى أن العمليات الحالية تختلف عن الضربات التقليدية، لأنها تستهدف تفكيك بنية عسكرية كاملة وليس مجرد ردع مؤقت. وأضاف أن تدمير أجزاء كبيرة من الأسطول البحري الإيراني يمثل حتى الآن الإنجاز العسكري الأكثر وضوحًا في هذه العملية.
البيت الأبيض أعلن أن أهداف العملية تشمل تدمير القدرات الصاروخية والباليستية الإيرانية، والقضاء على الأسطول البحري، وإضعاف الشبكات الإقليمية المتحالفة مع طهران مثل حزب الله والحوثيين وكتائب حزب الله في العراق، إضافة إلى منع إيران من امتلاك سلاح نووي.
لكن حتى الآن لا توجد بيانات مستقلة تؤكد حجم الخسائر العسكرية لدى الطرفين. في المقابل يواصل ترامب التأكيد على أن البرنامج النووي الإيراني تم القضاء عليه بالكامل، بينما تلتزم طهران الصمت بشأن الأضرار التي لحقت بالبنية النووية.
الخسائر البشرية واتساع نطاق الحرب
لم تقتصر تداعيات الحرب على الأهداف العسكرية. فمع استمرار الضربات الجوية توسعت دائرة الاستهداف لتشمل مناطق مدنية داخل إيران، من بينها مدارس ومبانٍ سكنية، ما أثار انتقادات واسعة داخل الأوساط الدولية.
وقال الباحث في شؤون الشرق الأوسط فواز جرجس، أستاذ العلاقات الدولية في كلية لندن للاقتصاد، إن استهداف المناطق المدنية يزيد من تعقيد الصراع ويضعف أي مبرر عسكري مباشر للعملية. وأضاف أن هذا النمط من العمليات قد يدفع إيران ووكلاءها إلى توسيع نطاق الرد في عدة جبهات إقليمية.
وتشير تقديرات أولية إلى أن الخسائر البشرية مرشحة للارتفاع في حال استمرار العمليات العسكرية بنفس الوتيرة، خاصة مع احتمال اتساع المواجهات لتشمل مناطق نفوذ حلفاء إيران في لبنان والعراق واليمن.
ويرى جرجس أن الصراع الحالي لم يعد مجرد مواجهة عسكرية بين واشنطن وطهران، بل أصبح اختبارًا لتوازنات إقليمية معقدة قد تمتد آثارها إلى دول الخليج ومصر، خصوصًا في ما يتعلق بأمن الطاقة وحركة التجارة في البحر الأحمر والخليج العربي.
تهديد مضيق هرمز وتداعيات الاقتصاد العالمي
تعد أخطر التداعيات الاقتصادية للحرب الحالية مرتبطة بمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية يوميًا. وقد لوحت إيران بإمكانية تعطيل الملاحة في المضيق، ما دفع شركات شحن دولية إلى إبطاء حركة ناقلات النفط في المنطقة.
وقال الخبير في أسواق الطاقة دانيال يرغين، نائب رئيس مؤسسة S&P Global، إن أي تعطيل فعلي للملاحة في المضيق يمكن أن يؤدي إلى قفزة حادة في أسعار النفط خلال أيام قليلة. وأوضح أن الأسواق العالمية شديدة الحساسية لأي اضطراب في هذا الممر البحري الحيوي.
ارتفاع أسعار الطاقة بدأ بالفعل ينعكس على الاقتصاد العالمي، حيث سجلت أسعار النفط زيادات متتالية خلال الأيام الأولى من الحرب. ويخشى اقتصاديون من أن يؤدي استمرار التوتر إلى موجة تضخم جديدة في عدد من الاقتصادات الكبرى.
في الوقت نفسه، قد تحقق بعض الدول والشركات مكاسب مؤقتة من الأزمة. فارتفاع أسعار النفط يوفر موارد إضافية لروسيا في تمويل حربها في أوكرانيا، كما يدعم أرباح شركات الطاقة الكبرى مثل ExxonMobil.
أما الصين، فتتبنى حتى الآن سياسة الحذر والانتظار. ويرى محللون أنها تعتمد على احتياطياتها النفطية الاستراتيجية التي تكفي لتشغيل اقتصادها الصناعي الضخم لمدة تصل إلى 6 أشهر، ما يمنحها قدرة أكبر على إدارة تداعيات الأزمة مقارنة بدول أخرى.

