في أول أيام شهر رمضان المبارك، حيث يفترض أن يعمّ الخشوع والتأمل النفوس، تتحوّل الطرق المصرية مرة أخرى إلى مسرح لكارثة جديدة: مصرع 10 أشخاص على الأقل وإصابة اثنين آخرين جراء تصادم مروع بين سيارتي نقل ثقيل و"ربع نقل" محملة بصيادي اليومية على محور 30 يونيو جنوب بورسعيد. هؤلاء الصيامون الذين كانوا في طريقهم لكسب قوتهم اليومي، سقطوا ضحايا لنظام مروري فاشل وإهمال متراكم، في مشهد يعيد التأكيد على أن حوادث الطرق في مصر ليست صدفة، بل نتيجة إدارة كارثية مستمرة لا تعرف التوقف أو الإصلاح الحقيقي.

 

المحافظ والأجهزة الأمنية هرعوا للموقع، وأُعلن عن رعاية طبية ودعم للأسر، لكن هذه الإجراءات الشكلية لا تخفي الحقيقة المُرّة: حوادث مماثلة تتكرر يوميًا دون أن تُحدث تغييرًا جذريًا في الواقع. الشوارع المصرية أصبحت مقبرة مفتوحة، والمسؤولون يتقنون لغة التعازي أكثر من لغة الحلول، بينما يستمر النزيف البشري في أول أيام رمضان كأنه تحدٍّ لقدرة الدولة على حماية مواطنيها.

 

حادث بورسعيد.. صيام مقطوع بالموت

 

وقع الحادث المأساوي على محور 30 يونيو، الطريق الذي يعتمد عليه آلاف الصيادين والعمال اليوميين للوصول إلى أعمالهم، حيث اصطدمت سيارة نقل ثقيل بـ"ربع نقل" محملة بأفراد كانوا في طريقهم لكسب لقمة عيشهم. الاصطدام كان عنيفًا لدرجة أن بعض الجثث تفتّت، ونُقلت 10 جثامين إلى مستشفيات الرعاية الصحية، بينما أُسعِف اثنان إلى مستشفى 30 يونيو بحالة حرجة. الضحايا صيامون في أول يوم من رمضان، كانوا يتطلّعون إلى إفطار عائلي بسيط، لكنهم وجدوا مصيرهم في حطام سيارات تالفة وإهمال مروري مألوف.

 

محافظ بورسعيد أمر برعاية عاجلة ودعم للأسر، ومدير الأمن رافق عمليات الإنقاذ، لكن هذه الزيارات الميدانية الروتينية لا تُشفي الجرح، ولا تُعيد الأرواح، ولا تُوقف تكرار المآسي. التحقيقات الأولية تشير إلى السرعة المفرطة وعدم الالتزام بقواعد السلامة، لكن السؤال الأكبر: من يضمن تطبيق هذه القواعد على طرق تفتقر إلى الصيانة والإنارة والحواجز الآمنة؟ في بلد يُسجّل آلاف الضحايا سنويًا، يبدو الحادث مجرد حلقة في سلسلة لا تنتهي من الفشل الحكومي في إدارة البنية التحتية.

 

كثرة الحوادث.. إهمال نظامي لا يتوقف

 

حوادث الطرق في مصر ليست حالات فردية، بل وباء مستمر يأخذ عشرات الأرواح يوميًا، ومئاتها أسبوعيًا، دون أن تُثير ردود فعل جذرية من الحكومة. الطرق المتهالكة، والمركبات الفاسدة التي تُدار دون رقابة صارمة، والسائقون الذين يُتركون لمصيرهم دون تدريب أو عقاب، كلها عوامل مترابطة تُنتج هذه الكوارث. في بورسعيد وحدها، تكررت حوادث مماثلة على نفس المحور، لكن الإصلاحات تبقى على الورق، والوعود تذوب مع الوقت.

 

الدولة تُعلن عن حملات توعية وتشديدات أمنية مؤقتة، لكنها تتجاهل الجذور: غياب صيانة دورية للطرق، ضعف رقابة المرور على المركبات الثقيلة، انتشار نقل غير آمن للعمال اليوميين، وإهمال في توفير بدائل نقل جماعي آمن. هذا الإهمال النظامي يتحوّل إلى قاتل صامت، يستهدف الفقراء والعمال أكثر من غيرهم، بينما تستمر السلطات في تكرار نفس الخطاب الرسمي دون تغيير حقيقي في السياسات أو تخصيص ميزانيات كافية للسلامة المرورية.

 

الضحايا دائمًا الفقراء.. وعد الإصلاح كاذب

 

صيادو اليومية في الحادث هم نموذج للضحية المُعتادة: أناس بسيطون يعتمدون على نقل غير منظّم للوصول إلى عملهم، محملين في سيارات غير مُجهّزة للنقل الجماعي، على طرق دولية تفتقر إلى السلامة الأساسية. الحكومة تتحدّث عن "تنمية" و"مصر الجديدة"، لكنها تترك هؤلاء الذين يُشكّلون عماد الاقتصاد في مهبّ الريح، دون وسائل نقل آمنة أو حماية اجتماعية حقيقية.

 

التكرار المُرعب لهذه الحوادث يكشف فشلًا إداريًا شاملاً: لا رقابة على شركات النقل، لا تحديث للمعدّات، لا حملات تفتيش مستمرة، ولا استثمار في تقنيات السلامة مثل الكاميرات والحواجز. بدلاً من ذلك، نرى إعلانات عن مشروعات عملاقة تُستنزف لها الموارد، بينما تبقى الطرق القاتلة كما هي، والحوادث تستمر كأنها جزء من الروتين اليومي للدولة.

 

واخيرا فنه متى ينتهي مسلسل الحوادث؟

 

حادث بورسعيد في أول رمضان ليس حدثًا معزولًا، بل حلقة جديدة في مسلسل الموت على الطرق الذي لا ينتهي، يُنتجُه إهمال نظامي وفشل إداري مُزمن. عشرات الضحايا الصيامين سقطوا ضحايا لطرق متهالكة ونقل غير آمن، بينما تكتفي السلطات بالرعاية الطبية والتعازي. الوقت حان لتغيير جذري: صيانة حقيقية للطرق، رقابة صارمة على النقل، وميزانيات للسلامة لا للشعارات. ما لم تُقْطَعْ هذه الدورة الدموية، سيظل رمضان وغيره مواسم حداد، والمصريون يدفعون الثمن بأرواحهم كل يوم.