تشهد الأسواق المصرية قبيل شهر رمضان موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية، تشمل اللحوم والدواجن والبيض والألبان والخضروات والسكر والتمور، في وقت يفترض فيه أن يكون الموسم مساحة لتخفيف الأعباء لا مضاعفتها.

 

ورغم تراجع الأسعار عالمياً وفقاً لمؤشر منظمة الأغذية والزراعة الدولية لشهر يناير 2026، واستقرار نسبي للجنيه أمام الدولار لنحو عام، تتحرك الأسعار في مصر في اتجاه معاكس، ما يسلط الضوء على حصيلة عقد كامل من السياسات النقدية والاقتصادية في عهد السلطة التي تشكلت بعد يوليو 2013 بقيادة عبد الفتاح السيسي، ويكشف أن سلة الغذاء الرمضانية تحولت تدريجياً من عادة اجتماعية مستقرة إلى عبء ثقيل على أغلب الأسر.

 

أسعار رمضان تكشف حصيلة التعويم وتبعية الغذاء للخارج

 

التحركات السريعة في أسعار السلع هذا الأسبوع لا يمكن فصلها عن طبيعة الاستهلاك في رمضان، حيث ترتفع معدلات استهلاك المصريين للمنتجات الغذائية بأنواعها بنسبة تقارب 50% عن باقي الشهور، وفق ما يرصده الموزعون في السوق. لكن المشكلة الأعمق أن هذه الزيادة الموسمية تأتي فوق مستوى أسعار مرتفع أصلاً، في بلد يستورد نحو 70% من احتياجاته الغذائية من الخارج، ما يجعل أي تغير في سعر الصرف أو تكلفة الشحن ينعكس مباشرة على المستهلك النهائي، ويضاعف أثره في موسم الطلب المرتفع.

 

المفارقة أن مؤشر «الفاو» يوضح تراجعاً في أسعار الغذاء عالمياً، وأن الدولار نفسه في اتجاه هابط عالمياً، بينما تشير حركة الأسعار داخل مصر إلى انفصال واضح عن هذا الاتجاه، بسبب هشاشة العملة المحلية واعتماد السياسات الرسمية على التعويم المتكرر دون بناء قاعدة إنتاج غذائي قادرة على تقليل الاستيراد. هنا يصبح موسم رمضان اختباراً حقيقياً لقدرة السياسات النقدية والاجتماعية على ضبط الأسواق وحماية المستهلك، لا اختباراً لقوة الطلب فقط، ويكشف أن السياسات التي اتُّخذت خلال السنوات الماضية جعلت المجتمع أكثر تعرضاً للصدمات، خاصة مع استمرار هيمنة الاستيراد على سلة الغذاء الأساسية.

 

أرقام الغرف التجارية: زيادات تراكمية لا يخففها موسم واحد

 

مسؤول في اتحاد الغرف التجارية يلخص الصورة بقوله إن ارتفاع الأسعار قبيل رمضان يعكس كيف تغيرت ملامح سلة الغذاء الرمضانية منذ ما قبل 2016، حين كانت الأسعار شبه مستقرة، إلى موجات تضخم متلاحقة دفعت أسعار معظم السلع الأساسية للارتفاع بين ثلاثة وستة أضعاف خلال عشر سنوات. هذا التغير لا يُقرأ كموسم عابر، بل كحصيلة مباشرة لسلسلة قرارات كبرى، في مقدمتها موجتا التعويم في نوفمبر 2016 ثم مارس وأكتوبر 2022، اللتان نقلتا سعر الدولار من نحو 8 جنيهات إلى أكثر من 18 جنيهاً ثم إلى حوالي 47 جنيهاً حالياً، مع ما صاحب ذلك من تضاعف تكاليف الاستيراد والإنتاج.

 

تقرير الغرفة التجارية الذي استندت إليه التصريحات يظهر بوضوح أن هذه الأرقام لم تبق حبيسة بيانات البنوك، بل ترجمتها الأسواق سريعاً إلى قفزات في أسعار السلع الجافة والأساسية؛ فجوّال الدقيق وزن 50 كيلوغراماً ارتفع من 147 جنيهاً عام 2016 إلى 850 جنيهاً في 2026، بنسبة تقارب 478%، وقفز كيلو الفاصوليا البيضاء من 16 إلى 70 جنيهاً بنسبة 337%، بينما صعد الأرز السائب من 7 إلى 23 جنيهاً بنسبة 228%، وكلها سلع حاضرة بقوة في استهلاك رمضان، ما يعنى أن الحديث عن «موسم» أصبح في الواقع حديثاً عن تراكمات سياسية واقتصادية ممتدة.

 

التقرير يوضح أيضاً أن هذه الزيادات ليست ناتجة عن شهية استهلاك موسمي فقط، بل عن تراجع القوة الشرائية للجنيه وارتفاع تكاليف الشحن والتوريد ومدخلات الإنتاج، خاصة في قطاعات الألبان والزيوت والياميش، التي ظلت الأكثر حساسية لسعر الصرف. يذكر التقرير ارتفاع سعر الزبادي بنسبة 380%، وصعود سعر زيت دوار الشمس من 37 إلى 210 جنيهات بنسبة تقارب 468%، وهي نسب تعكس بالكامل أثر قرار التعويم والسياسات المصاحبة له، وليس فقط تقلبات العرض والطلب. ورغم الإشارة إلى تأثيرات جائحة كوفيد 19 والحرب الأوكرانية واضطرابات سلاسل التوريد العالمية، تبقى حقيقة أن السوق المصرية دخلت هذه الأزمات وهي مثقلة أصلاً بقرارات تعويم متتالية واعتماد واسع على الاستيراد، ما ضاعف أثر الصدمات على المواطن.

 

دعم نقدي محدود في مواجهة آثار صنعها القرار الرسمي

 

أمام هذه الصورة، تطرح الحكومة حزمة إجراءات اجتماعية مع بداية الأسبوع، تشمل توجيه 8 مليارات جنيه دعماً نقدياً إضافياً لـ 10 ملايين أسرة من حاملي البطاقات التموينية، بقيمة 400 جنيه تُصرف على دفعتين في مارس وإبريل، إلى جانب تخصيص 4 مليارات جنيه إضافية لـ 5.2 ملايين أسرة مستفيدة من برنامج «تكافل وكرامة» الموجه للأسر الأشد فقراً. الإجراءات تتكامل مع تبكير صرف الرواتب وزيادة المعاشات وتوسيع برامج الدعم، في محاولة لتعزيز القدرة الشرائية خلال ذروة الإنفاق الموسمي، كما يشرح رئيس لجنة التجارة الداخلية بالشعبة العامة للمستوردين، متّى بشاي، الذي يرى أن ملف الحماية الاجتماعية أصبح ركناً موازياً لمسار «الإصلاح الاقتصادي» ولا يمكن تجاهله دون كلفة اجتماعية مرتفعة.

 

لكن قراءة هذه السياسات في سياقها الأشمل تكشف تناقضاً يصعب إغفاله؛ فالحكومة التي تقدم الدعم النقدي اليوم هي نفسها التي اتخذت قرارات التعويم وتوسيع الاقتراض الخارجي والداخلي، وقادت نموذجاً اقتصادياً رفع أسعار السلع بين ثلاثة وستة أضعاف في عشر سنوات، ثم عادت لتقدم دعماً جزئياً للأسر المتضررة من هذه القرارات. 400 جنيه تضاف شهرياً لفترة محدودة لا يمكنها عملياً ملاحقة زيادات وصلت إلى مئات الجنيهات في جوّال الدقيق ولتر الزيت وكيلو الأرز والياميش، خاصة مع استمرار تأثيرات التضخم المتراكمة، ما يجعل الدعم أقرب إلى مسكّن مؤقت منه إلى معالجة جذرية لاختلالات السياسات.

 

استمرار هذه البرامج حتى يونيو 2026 يعكس اعترافاً ضمنياً من الحكومة بأن آثار القرارات النقدية والمالية لن تتبخر سريعاً، وأن استكمال ما تسميه «الإصلاح» يحتاج غطاءً اجتماعياً لمنع انفجار الغضب. لكن غياب مراجعة حقيقية للخيارات التي أدت إلى تضخم غير مسبوق، واعتماد الخطاب الرسمي على تبرير كل موجة غلاء بالعوامل الخارجية، يرسخ انطباعاً لدى قطاعات واسعة من المصريين بأن تكلفة السياسات في عهد عبد الفتاح السيسي توزع على ملايين الأسر، بينما تظل القرارات الاستراتيجية، من تعويم متكرر وتوسع في الاقتراض وتمويل مشروعات كبرى، خارج أي نقاش مجتمعي واضح أو محاسبة سياسية حقيقية. وفي قلب هذا المشهد، يتحول رمضان من موسم للطمأنينة الاجتماعية إلى مرآة مكثفة لأزمة أعمق في إدارة الاقتصاد وحماية الفئات الأكثر هشاشة.