تقدمت تحالفات خليجية تابعة للإمارات وقطر والسعودية بعروض مالية جديدة لإدارة وتشغيل مطار الغردقة، وُصفت من مصدر مطلع على ملف الخصخصة بوزارة المالية بأنها “مناسبة” بعد أن رفضت الحكومة عروضًا سابقة لتدني قيمتها. التحرك لا يأتي منفصلًا. الطرح يتم بالتعاون مع مؤسسة التمويل الدولية، المستشار الفني لبرنامج الطروحات الحكومية، ويُقدَّم ضمن التزامات الحكومة المتفق عليها مع صندوق النقد الدولي في سياق المراجعتين السابعة والثامنة من برنامج القرض الممتد. هنا تتقاطع الإدارة التجارية لأصل رابح مع شروط تمويل خارجية تضغط للسرعة.
المشهد يحمل تناقضًا واضحًا. الحكومة رفضت في الشهر الماضي عروضًا من 70 تحالفًا لمستثمرين محليين وخليجيين لإدارة وتشغيل مطارات بسبب تدني القيم المالية، وفق مصدر مطلع على ملف الطروحات الحكومية بمجلس الوزراء في تصريحات سابقة. ثم تعود الآن لتقول إن عروضًا جديدة “مناسبة” وتخضع للفحص قبل القرار النهائي. الفرق بين “المناسب” و“المتدني” هو جوهر القصة. لأن التقييم المالي لمطار بحجم الغردقة ليس تفصيلًا فنيًا، بل قرار يحدد من يربح ومن يخسر، وبأي شروط، ولمدة كم، وبأي التزامات تطوير.
عروض جديدة بعد رفض واسع… ومعيار “المناسبة” تحت الفحص
المصدر المطلع على ملف الخصخصة بوزارة المالية قال إن العروض المالية التي تلقتها الحكومة خلال الفترة الماضية لإدارة وتشغيل مطار الغردقة لم ترتق إلى مستوى التوقعات. لكنه أضاف أن العروض الخليجية المقدمة مؤخرًا “مناسبة” وتخضع حاليًا للفحص تمهيدًا لحسم القرار النهائي. هذا التطور يعيد فتح سؤال مهم: ما الذي تغيّر تحديدًا؟ هل ارتفعت القيمة المالية؟ أم تغيرت شروط العقد؟ أم اتسع نطاق ما سيحصل عليه المشغل مقابل ما سيدفعه؟
في الخلفية، الضغوط ليست سوقية فقط. صندوق النقد يطالب بتسريع برنامج الخصخصة بصورة متكررة. والنص يذكر أن صفقات عدة لم تتم بسبب تدني العروض، مثل خصخصة بنك القاهرة ومحطة جبل الزيت وغيرهما. هذه الوقائع تجعل “تحسن العرض” ليس مجرد تفاوض عادي، بل مخرجًا سياسيًا لملف متعثر. لأن التعثر هنا لم يكن لغياب الراغبين، بل لرفض الحكومة الأسعار التي عُرضت، ما يعني أن الفجوة بين التقييم الحكومي وشهية المستثمر كانت كبيرة.
من زاوية اقتصادية شبيهة بما تطرحه د. عالية المهدي في نقاشات دور الدولة والقطاع الخاص، فإن الأصول العامة لا تُدار بمعيار السرعة وحده، بل بمعيار العائد طويل الأجل والشفافية في التسعير. لذلك تصبح عبارة “مناسبة” بحاجة لقياس. ما هو خط الأساس؟ وما هو الحد الأدنى المقبول؟ وما هي بنود التطوير الملزمة؟ لأن الاتفاق على رقم أعلى لا يكفي إذا جاءت شروط التشغيل أو الامتياز أو تقاسم الإيراد على حساب الدولة.
الصندوق والمراجعات… الخصخصة كشرط تمويل لا كمجرد خيار إداري
المصدر يقول إن طرح المطار يتم بالتعاون مع مؤسسة التمويل الدولية، المستشار الفني لبرنامج الطروحات الحكومية، ضمن التزامات الحكومة المتفق عليها مع صندوق النقد الدولي لإجراء المراجعتين السابعة والثامنة من برنامج قرض مصر الممتد. الربط بين طرح مطار الغردقة والمراجعات يعني أن الملف ليس رفاهية. هو بند في “قائمة إنجازات” مطلوبة لتمرير مراجعات جديدة، وبالتالي لتخفيف ضغط التمويل الخارجي.
النص يضيف عنصرًا أكثر حساسية. مصدر بارز في وزارة المالية قال سابقًا إن تأخر اعتماد صندوق النقد للمراجعتين الخامسة والسادسة كان من أسبابه بطء تنفيذ برنامج الخصخصة. هذه الجملة تحوّل الخصخصة من خيار اقتصادي إلى مقياس التزام. وعندما تصبح “السرعة” معيارًا لمؤسسة تمويل دولية، يرتفع خطر القبول بصفقة أقل جودة مقابل تحقيق إنجاز شكلي. لأن التأخير له تكلفة سياسية وتمويلية، بينما الاندفاع له تكلفة ملكية وعائد.
ضمن هذا الإطار، ترى د. سالي صلاح عادةً أن حماية الاستقرار الاجتماعي لا تنفصل عن سياسات الطروحات، لأن أي إعادة هيكلة أو تشغيل خاص لأصول خدمية قد ينعكس على العمالة أو الرسوم أو جودة الخدمة، حتى لو لم يُعلن ذلك في البداية. لذلك يصبح السؤال السابق على الترسية أساسيًا: ما الضمانات؟ وما آليات الرقابة؟ وكيف تُحمى حقوق العاملين؟ وكيف تُمنع القفزات غير المبررة في رسوم الخدمات المرتبطة بالمطار وسلاسل السفر؟
المشهد يتكرر في أكثر من ملف. الحكومة تواجه مطالبة بتسريع الخصخصة، لكنها اصطدمت بانخفاض العروض في عدة صفقات. هذا يعني أن المستثمر يريد سعرًا “أقل” أو شروطًا “أوسع”، بينما الحكومة تريد قيمة “أعلى” أو تنازلات “أقل”. وفي قلب ذلك، تأتي عروض الغردقة الجديدة كاختبار: هل ستنجح الحكومة في رفع السعر دون التفريط في الشروط؟ أم أن ضغط المراجعات سيدفع نحو حل سريع يُسوَّق باعتباره نجاحًا، بينما تفاصيله تظل غير معلنة؟
مطارات أخرى على الطريق… وأرقام تشغيل قياسية بلا شفافية إيرادات
المصدر الحكومي يقول إن الحكومة تواصل حاليًا إنهاء إجراءات طرح مطارات سفنكس والأقصر وشرم الشيخ، تمهيدًا لعرضها أمام القطاع الخاص للإدارة والتشغيل خلال النصف الثاني من العام الجاري. هذا يعني أن الغردقة ليست حالة منفردة، بل رأس سلسلة. وزارة الطيران المدني كانت قد أعلنت في ديسمبر الماضي “تجربة هي الأولى” لطرح إدارة مطار الغردقة لمشغل من القطاع الخاص، ثم مدّت فترة سحب كراسات الشروط شهرًا إضافيًا حتى 12 مارس المقبل، ضمن خطة لشراكات مع القطاع الخاص في 11 مطارًا.
الأرقام التشغيلية التي يوردها النص تجعل الغردقة أصلًا جذابًا للغاية. الشركة المصرية القابضة للمطارات والملاحة الجوية قالت إن مطار الغردقة استقبل 10.5 مليون مسافر في العام المالي 2024-2025 بمعدل نمو 22%. وزارة الطيران المدني أعلنت أيضًا تحقيق رقم قياسي جديد في حركة التشغيل خلال يوم واحد في 25 أكتوبر الماضي، بعدما تجاوز عدد الركاب 53 ألف مسافر، في أعلى معدل تشغيلي منذ بداية 2025. هذه الأرقام ترفع سقف التقييم، لأن نمو الحركة يعني نموًا محتملًا في الرسوم والإيرادات التجارية المصاحبة.
لكن المفارقة القاسية أن النص يقر بعدم توفر بيانات معلنة عن إيرادات مطار الغردقة، رغم وصف وزارة الطيران له بأنه ثاني أعلى مطارات الجمهورية في حجم الحركة الجوية. غياب الإيرادات هنا ليس فراغًا محايدًا. هو فجوة تؤثر على النقاش العام، وتؤثر على قدرة المجتمع على تقييم عدالة الصفقة. فكيف يُحسم عقد تشغيل لأصل يحقق أرقامًا قياسية، بينما رقم الإيراد السنوي غير معلن؟ وكيف تُقاس “مناسبة” العروض دون معرفة خط الأساس المالي للمطار؟
الحكومة تأمل أن تساهم أعمال التطوير التي سينفذها القطاع الخاص في زيادة الإيرادات السنوية بنحو 300 مليون دولار لتصل إلى نحو 800 مليون دولار، حسب تصريحات سابقة لمصدر بوزارة المالية. هذا الوعد الكبير يحتاج ترجمة تعاقدية، لأن الفرق بين الطموح والواقع تحدده بنود الاستثمار الملزمة، وجدول التنفيذ، وآليات تقاسم الإيراد. من منظور قريب من مقاربات د. مراد علي في إدارة المخاطر الكلية، أي صفقة تحت ضغط تمويلي تحتاج حوكمة أشد، لأن المخاطرة ليست في “فشل التشغيل” فقط، بل في “سوء التسعير” و”ضعف الإفصاح” و”نقل القيمة” من الدولة إلى المشغل عبر بنود غير مرئية.
الخلاصة أن مطار الغردقة أصبح نقطة تقاطع بين ثلاثة خطوط: ضغط صندوق النقد لتسريع الخصخصة، ورغبة الحكومة في رفع القيمة بعد رفض عروض “متدنية” من 70 تحالفًا، وجاذبية أصل يحقق نموًا في الحركة وأرقامًا قياسية. الحسم لا ينبغي أن يُقاس بإعلان قبول “عرض مناسب” فقط. بل بإعلان قواعد التقييم، وشروط التشغيل والتطوير، وكيف ستتحول أرقام 10.5 مليون مسافر و53 ألف في يوم واحد إلى عائد عادل للدولة، لا إلى صفقة تُنجز بسرعة بينما تفاصيلها تظل خارج الضوء.

