سامح راشد
باحث مصري متخصص في العلاقات الدولية والشؤون الإقليمية للشرق الأوسط
حمل التغيير الوزاري في مصر قبل أيام حزمة دلالاتٍ كثيرة؛ ليس فقط على مستوى احتكار تلابيب السلطة سياسيًا، والانفراد بمفاتيحها مؤسّسيًا، بل أيضًا فيما يتعلّق بالمنطق الحاكم لعمل مؤسّسات الدولة، أو ما يمكن تسميتها "فلسفة الحكم والإدارة"، في دولة غير معروف لها توجّه واضح، إذ يصعب تحديد ما إذا كانت مصر تُدار اقتصاديًا بمنطق الدول الاشتراكية والهيمنة الرسمية على دولاب الاقتصاد المحلّي، أو إذا كانت تتبع قواعد الاقتصاد الحرّ ومنطق الرأسمالية، أم هي خليط من هذا وذاك. وقد عكست التركيبة الوزارية الجديدة هذا الخلط المُغلَّف بغموض التوجّه والأهداف.
في التشكيلة الوزارية الجديدة غُيّر حاملو 14 (من 32 وزيرًا) حقيبة وزارية، أي نصف عدد الوزراء تقريبًا. ورغم ذلك، لا يعني هذا التغيير أي تحوّل في التوجّهات، أو إشارات إلى نيّة اتباع سياسات مختلفة، ليس لأنه تغيير وجوه حصريًا فقط، وإنما أيضًا لأنه لم تكن هناك سياسات واضحة من الأساس. أمّا التبديلات في اختصاصات بعض الوزراء وتكليفاتهم فهي أكثر غموضًا من إطاحة شخص هذا الوزير أو ذاك. مثلًا عُيّن قبل عام الفريق كامل الوزير نائبًا لرئيس الوزراء (كان وزيرًا للنقل فقط)، كما أُسندت إليه حقيبة الصناعة؛ فإذا به في التشكيل الجديد يعود مقصورًا على حقيبة النقل، وتُخلع عنه نيابة رئيس الحكومة. وكما استحال فهم توسيع اختصاصاته العام الماضي، إذ حفل مجال النقل (ولا يزال) بكوارثَ متتالية في السكك الحديدية وبنية الجسور والطرق، وكما لم يُفهم سبب تحميله حقيبة الصناعة وتكليفه نائبًا لرئيس الوزراء، لا تفسيرَ واضحًا لنزعهما منه.
وبالغرابة نفسها، أُلغيت حقيبة "قطاع الأعمال العام" من الهيكل الوزاري. وبحسب تصريح رئيس الحكومة مصطفى مدبولي، كان لتلك الوزارة "مهمّة مؤقّتة"، لا أحد يعرف ماهيتها ولا متى انتهت. لكن المعلوم هو تبعية 146 شركة لتلك الوزارة، أعلن مدبولي أن 40 شركة منها ستنتقل تبعيتها "مؤقّتًا أيضًا" إلى رئاسة الوزراء ثم إلى صندوق مصر السيادي، وستُسجَّل 20 شركة في البورصة. والمغزى هنا تخلّي الدولة عن مسؤولياتها بوصفها طرفًا وازنًا في الاقتصاد المحلّي. وفضلًا عن تعميق الخصخصة وتخارج الدولة، تضمن تغيير التركيبة الوزارية مستجدّات غير مفهومة، منها مثلًا ضمّ وزارتَي البيئة والتنمية المحلّية، أي اختزال أهم الملفّات والقضايا البيئية وأخطرها في انتشار القمامة في الشوارع، وحصر سبل مواجهته وسياسات التصدّي له في أجهزة المحلّيات. لكن تلك الجوانب المثيرة للفضول والتساؤل ليست هي الأكثر إثارة في الحكومة الجديدة بمصر؛ فاختيارات الوزراء وتاريخهم السابق أكثر إثارة وتشويقًا من مهام حقائبهم. ذلك أن المكلّفة بحقيبة الثقافة صدر ضدّها حكم قضائي بالسرقة الأدبية في محتوى كتاب لها، بينما وزير التعليم الحالي (المستمرّ في منصبه) اتُّهم بتزوير شهادة دكتوراه، فاضطر إلى التراجع وإلى التخلّي عن ذلك اللقب.
قمّة الإثارة وذروة الدراما في التشكيل الوزاري الجديد في مصر تغيير وزير الدفاع بطريقة سينمائية؛ إذ أُطيح بالوزير السابق في قرار منفصل لم يُعرض على البرلمان (المادة 146 من الدستور المصري)، ولم تُعلَن موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلّحة عليه (المادة 234 من الدستور). ولهذا الأسلوب الاستخباراتي المراوغ في عملية تغيير وزير الدفاع دلالات عميقة لجهة استقرار موازين القوة في دائرة الحكم، والعلاقة بين رؤوس المؤسّسات الرئيسة في الدولة. أمّا المواطن المصري فهو خارج تلك الحسابات جميعها. ولذلك جرى ترتيب التغيير الوزاري وتنفيذه بمعايير غير معروفة صلتها بمصلحة الوطن، ولأهداف لا يعلم المواطن شيئًا عنها.

