لا شيء «مفاجئًا» في بلد تحكمه نفس الوجوه ونفس العقلية منذ سنوات، سوى إصرار رأس السلطة على إعادة تدوير الفشل ثم تسويقه على أنه «ميلاد جديد».
يغرد النائب والإعلامي مصطفى بكري عن «أربع مفاجآت مهمة» في التعديل الوزاري الذي سيُعرض على مجلس النواب الثلاثاء، ويؤكد أن التعديل مرتبط بمستوى الأداء وتحقيق الإنجاز، وأن هناك تصعيدًا لشخصيات «نجحت» في مواقعها السابقة.
لكن ما يتجاهله بكري عمدًا أن أكبر فضيحة في المشهد ليست أسماء الوزراء الداخلين والخارجين، بل الإصرار على بقاء رئيس الحكومة نفسه، مصطفى مدبولي، رغم كل شواهد العجز والارتباك والانهيار.
هنا يصبح السؤال السياسي والأخلاقي أعمق من لعبة الكراسي: لماذا يتمسّك عبد الفتاح السيسي برئيس وزراء مكروه جماهيريًا، مرتبط في الوعي العام بموجات الغلاء والقروض وسوء الإدارة؟
الإجابة ليست في «أربع مفاجآت» بكري، بل في طبيعة نظام لا يحتمل القوة ولا الاستقلالية، و«الضعيف فيه لا يحب إلا الفاشل» لأنه الضمانة الوحيدة لبقاء الهرم مقلوبًا كما هو.
مصطفى بكري.. منبر تمهيد لا ناقل مفاجآت
من يتابع أداء مصطفى بكري خلال السنوات الأخيرة، يدرك أن الرجل ليس «معلِّقًا» على قرارات السلطة بقدر ما هو جزء من ماكينة تسويقها وتمهيدها.
حين يتحدث عن «مفاجآت مهمة»، فهو لا يكشف أسرارًا بقدر ما يختبر رد فعل الشارع، ويُعد الرأي العام نفسيًا لتقبل ما جرى الاتفاق عليه مسبقًا في غرف مغلقة.
لغة بكري في تغريدته تكشف نمطًا مكرورًا:
- التعديل «مرتبط بمستوى الأداء وتحقيق الإنجاز»؛ وكأن الإنجاز ظاهر للعيان، بينما يعيش المصريون أسوأ أزماتهم الاقتصادية والمالية في عقود.
- «تصعيد شخصيات أثبتت قدرتها على النجاح»؛ دون أن يجرؤ على تسمية من نجح وفي ماذا، ولا لماذا لم يلمس الناس هذا النجاح في حياتهم اليومية.
الأخطر أن بكري يتحدث عن التعديل كما لو كان آلية محاسبة حقيقية، بينما الواقع يقول إن النظام سبق أن «استقالت» حكومته بالكامل في يونيو 2024 ثم أعاد تكليف مدبولي نفسه بتشكيل حكومة جديدة، مع وعود فضفاضة عن «مرحلة تالية» و«تحسين الأداء»، دون أن يتغير جوهر السياسات التي أغرقت البلد في الديون والتضخم.
بهذا المعنى، تغريدة بكري ليست خبرًا بل جزء من ديكور السياسة؛ دور مرسوم لإعلامي مقرّب، يلمّع القرار قبل صدوره، ويعطي الانطباع بأن هناك «حيوية» في الدولة، بينما الحقيقة أن مركز القرار ثابت، وما حوله مجرد وجوه تُستبدل لتتحمل اللوم.
إصرار السيسي على مدبولي: نظام يكره الكفاءة ويعشق الفشل
لو كان معيار البقاء في رئاسة الحكومة هو النجاح في إدارة الاقتصاد والملف الاجتماعي، لكانت الحكومة الحالية في خبر كان منذ سنوات:
- انفجارات متتالية في الأسعار، تآكل غير مسبوق في قيمة الجنيه، وديون خارجية تضاعفت في زمن قياسي.
- مشروعات ضخمة مثيرة للجدل كالعاصمة الإدارية وغيرها، ابتلعت مليارات الدولارات بينما يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر.
ومع ذلك، يبقى مدبولي ثابتًا كالصنم على مقعده، ويتغير من تحته الوزراء واحدًا تلو الآخر. لماذا؟
النظم السلطوية عمومًا تفضّل الشخصيات «المنفِّذة» على الشخصيات القوية ذات الرؤية؛ تفضّل من يوقّع بلا نقاش على من يجادل ويطرح بدائل. في هذا السياق، يبدو مدبولي النموذج المثالي لرئيس حكومة في نظام السيسي:
- بيروقراطي هادئ، بلا كاريزما سياسية ولا قاعدة شعبية، لا يطمح – أو لا يُسمح له أن يطمح – لدور أكبر من تنفيذ التعليمات.
- يتحمل أمام الناس فاتورة القرارات الاقتصادية المؤلمة، بينما يبقى الرئيس في الخلفية يتحدث عن «الضرورة» و«المخاطر» و«التحديات» كأنه معلق خارجي لا صاحب قرار.
الإصرار على مدبولي رغم الفشل المستمر يحمل رسالة للداخل والخارج معًا:
- للداخل: لا تتوقعوا تغييرًا حقيقيًا في السياسات؛ فالرأس باقٍ، وتغيير الأطراف مجرد امتصاص للغضب.
- وللنخب: أي مسؤول «طموح» أو صاحب رؤية مستقلة لن يرى النور؛ النظام يفضّل الضعيف الذي يقبل بدور «الموظف الكبير» على القوي الذي قد يتحول بمرور الوقت إلى شريك في القرار أو منافس محتمل.
هكذا يتحول التعديل الوزاري إلى أداة لتكريس المنظومة ذاتها، لا لتصحيح مسارها؛ فالضعيف يخاف من الأقوياء، ولا يرتاح إلا وسط من هم أضعف منه، حتى لو كانوا فاشلين في عيون الناس.
تعديل وزاري بلا سياسة: تحميل الوزراء فاتورة خراب القرار الواحد
من اللقطات الكاشفة في كل تعديل وزاري أن أوراق اللوم تُعلَّق على أعناق الوزراء المغادرين:
- وزير فشل في ملفه.
- وزير لم يحقق المستهدفات.
- وزير أثار غضب الناس بتصريحاته أو قراراته.
لكن السؤال الأكبر لا يُطرح: هل هذه «سياسات وزراء» أم «سياسة نظام»؟ من الذي قرر الأولويات الاقتصادية؟ من الذي أصرّ على مشروعات بعينها؟ من الذي حدّد سقف الاقتراض وحدود الانفاق؟
في نظام مركزي شديد التحكم كالنظام الحالي، لا يملك وزير أن يخرج عن الخط العام قيد أنملة. وزير النقل، أو التعليم، أو الصحة، أو التموين، يتحرك داخل هامش ضيق جدًّا مرسوم سلفًا، يمسك بخيوطه مكتب الرئيس والأجهزة السيادية.
تغيير هذا الوزير أو ذاك قد يُصلح لغة الخطاب أو درجة الاستفزاز الإعلامي، لكنه لا يغيّر جوهر السياسات التي تُصاغ في غرف مغلقة بعيدًا عن البرلمان والرأي العام.
لهذا يبدو الحديث عن «ربط التعديل بمستوى الأداء وتحقيق الإنجاز» نوعًا من السخرية السوداء؛ فلو حُوسب الأداء بجدية لكان أول الخارجين من المشهد هم من صاغوا سياسات الاقتراض والتعويم والإنفاق العشوائي، وليس الموظفين الذين نفذوها.
لكن بما أن مركز القرار فوق المساءلة، فإن التعديل لا يتجاوز حدود «كبش الفداء» و«شوية منشار في الأطراف» مع ترك الجذر الفاسد في مكانه.
في المحصلة، «المفاجآت الأربع» التي يتحدث عنها مصطفى بكري – كائنًا من كانوا أصحابها – لن تغيّر حقيقة أساسية: نحن أمام تعديل وزاري في شكل حكومة لم تعُد تحكم فعليًا بقدر ما تبرر وتنفّذ، ورئيس حكومة يُعاد إنتاجه رغم الفشل لأن النظام يحتاج إلى واجهة ضعيفة يمرّر من خلفها قراراته الصعبة.
في مثل هذا البناء، يصبح الإصرار على مدبولي عرضًا لمرض أعمق: نظام لا يحتمل الكفاءة ولا الشراكة، ولا يرى في الناس إلا جمهورًا عليه أن يتحمّل، وفي المسؤولين من دونه إلا أدوات تنفيذ… وكلما زاد الفشل، زادت حاجته إلى وجوه أضعف، ليبقى هو وحده فوق كل مساءلة.

