حين يكتب كاتب وباحث سياسي أن «حين يتصدر الهواة قمة السياسة تتحول إدارة الدولة إلى تخبط وارتجال، ويغلب منطق الإرغام والإقصاء والانفراد على حساب الإقناع والتشارك»، فهو لا يطلق حكماً نظريًّا في فراغ، بل يصف – بدقة موجعة – ما عاشته مصر خلال أكثر من عقد من حكم العسكر بعد 3 يوليو. تغريدة عمار علي حسن التي أعاد فيها التأكيد على أن غياب أهل الخبرة عن مواقع القرار يحوّل الدولة إلى ملعب عبث سياسي وأمني واقتصادي، تجد اليوم تجسيدًا حيًّا في تجارب المصريين مع الأزمات المتلاحقة: من انهيار الاقتصاد وتغوّل الأجهزة الأمنية، إلى تحوّل «الدولة» إلى أكبر خصم لمجتمعها، لا راعية له. https://x.com/ammaralihassan/status/2020488745632288943 دولة تُدار بالولاء لا بالكفاءة: حين تهمَّش الخبرة ويُستدعى العصا منذ وصول قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي إلى السلطة، اتخذت بنية الحكم مسارًا واضحًا نحو تركيز غير مسبوق للسلطة في يد الرئيس والمؤسسة العسكرية، مع تهميش واسع لكل دوائر الخبرة المدنية. تقارير رسمية غربية ترصد أن السلطة في مصر تم تضييقها في مكتب الرئيس والأجهزة الأمنية، وأن البرلمان تحوّل إلى واجهة بلا تأثير حقيقي على التشريع أو الرقابة. هذا النمط يعيد إنتاج ما يحذّر منه عمار علي حسن: الهواة في السياسة لا يحتملون نقاشًا ولا معارضة، فيميلون إلى «الإرغام بدل الإقناع، والإقصاء بدل الاستيعاب». في الواقع المصري، تجلّى ذلك في: • إقصاء منظم لكل الأصوات المخالفة داخل النخبة السياسية، بما في ذلك شخصيات كانت جزءًا من «معسكر 30 يونيو» ثم اختلفت جزئيًا مع المسار، فانتهى بها الأمر محاصَرة أو ممنوعة من الظهور أو في السجن. • حصار مساحات الحوار العام: قنوات أُغلقت أو استولت عليها جهات سيادية، وصحف أُخضعت بالكامل لخطاب واحد، ما جعل «الإقناع» مستحيلًا تقريبًا لصالح خطاب فوقي يتعامل مع الشعب باعتباره جمهورًا يجب تلقينه لا إقناعه. في مثل هذه البنية، لا مكان لخبراء مستقلين في الاقتصاد أو السياسة أو الأمن القومي؛ فالمعيار الأهم للبقاء في الدائرة الضيقة هو الولاء المطلق لا الكفاءة. وهنا يصبح تحذير عمار علي حسن عن غياب أهل الخبرة وصفًا مباشرًا لمشهد يختلط فيه القرار الفردي بالنزعة الأمنية، بعيدًا عن أي مؤسسية حقيقية. ارتجال اقتصادي ومشروعات استعراضية: ثمن يُدفع من أقوات الناس من أوضح تجليات «حكم الهواة» ما حدث في الاقتصاد. خلال سنوات قليلة تضاعفت الديون الخارجية لمصر تقريبًا، وقفزت خدمة الدين إلى مستويات تهدد الاستقرار المالي، بحسب تقارير دولية ترصد تضخم الدين الخارجي وتزايد فاتورة خدمته عامًا بعد عام. في قلب هذا المسار، شهدت البلاد إنفاقًا هائلًا على مشروعات عملاقة ذات جدوى محلّ شك، مثل العاصمة الإدارية الجديدة شرق القاهرة، التي قُدِّرت كلفتها بعشرات المليارات من الدولارات، ووُصفت في تقارير بحثية بأنها «مشروع استعراضي» ساهم في تفاقم الأزمة بدل حلها. تقارير أخرى تشير إلى أن سياسة الاقتراض لتمويل هذه المشروعات، إلى جانب صفقات تسليح ضخمة، تمت بينما ظل الاقتصاد الحقيقي ضعيفًا، والقطاع الخاص مقموعًا أمام تمدد الشركات التابعة للجيش. هذا النمط يجسد ما يسميه عمار علي حسن «التخبط والارتجال»؛ فبدل اعتماد خطط تنمية مدروسة تشارك فيها عقول اقتصادية مستقلة، تم المضي في سلسلة قرارات فوقية: • تعويمات متتالية للعملة أدت إلى موجات تضخم غير مسبوقة، جعلت مصر من أكثر دول العالم تضررًا من ارتفاع أسعار الغذاء في 2023، ودفعت ملايين الإضافيين إلى حافة الفقر. • تحميل الفئات الفقيرة والوسطى فاتورة الإصلاح عبر رفع أسعار الوقود والضرائب وتقليص دعم الخدمات الأساسية، بينما بقيت مشروعات البذخ مفتوحة بلا مراجعة حقيقية. هنا لا يعود الحديث عن «هواة» وصفًا لطيفًا، بل توصيفًا لسلطة تتعامل مع اقتصاد بلد كبير بمنطق التجربة والخطأ، ثم تلقي بثمن الأخطاء على كاهل المواطنين.
منطق الإقصاء والإرغام: دولة تُحكم بالعصا لا بالشراكة تحذير عمار علي حسن من تغلّب «منطق الإرغام والإقصاء والانفراد» يجد انعكاسه الأكثر قسوة في ملف الحقوق والحريات. منذ 2013، وثّقت منظمات دولية نمطًا واسعًا من القمع: • تقارير لـ Human Rights Watch وثّقت استخدامًا منهجيًا للتعذيب ضد معارضين ومتهمين سياسيين، عبر الضرب والصعق بالكهرباء وأوضاع الإهانة، بما يرقى إلى مستوى «جريمة محتملة ضد الإنسانية». • دراسات حقوقية حديثة رصدت اعتقال مئات المحتجين السلميين، وملاحقة من حاولوا مجرد التفكير في منافسة السيسي انتخابيًا، كما في حالة السياسي أحمد الطنطاوي الذي حوكم وسُجن بعد إعلان نيته الترشح. هذا المناخ يجعل السياسة حكرًا على دائرة ضيقة؛ فالمعارضة الحقيقية إما في السجون أو المنفى أو تحت رقابة لصيقة. وحين تُغلق الساحات المدنية، لا يبقى من السياسة سوى ما تصنعه الأجهزة، فيتحول البلد إلى ما يشبه «شركة مغلقة» يديرها مجلس أمناء من العسكريين ورجال الأجهزة، فيما يُطلب من 100 مليون مواطن أن يصفقوا من بعيد. في مثل هذا السياق، تصبح كلمات عمار علي حسن أقرب إلى تشخيص شامل لحالة مصر تحت حكم السيسي: دولة تدار بمنطق الأمن لا السياسة، وبالولاء لا بالكفاءة، وبالاستعراض لا التخطيط، وبالإقصاء لا الشراكة. وحين يُقصى أهل الخبرة ويُترك القرار في يد من يرون في القوة الغليظة حلاً وحيدًا لكل مشكلة، يصبح ما نراه اليوم – من أزمات اقتصادية خانقة، وقمع سياسي واسع، وتراجع في مكانة مصر الإقليمية – نتيجة طبيعية لوصفة حذّر منها الرجل صراحة: أن يعتلي الهواة قمة السياسة، ثم يُطلب من الشعب أن يدفع الثمن بلا سؤال ولا حساب.

