أحمد الحيلة
كاتب ومحلل فلسطيني
تتسارع الحشود العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، استعدادا لعملية عسكرية أو حرب على إيران، باتت وشيكة كما تتحدث المصادر الأمريكية والإسرائيلية.
براد كوبر قائد القيادة الوسطى الأمريكية وأثناء زيارته إسرائيل تحدث في 26 يناير/كانون الثاني؛ عن "عملية قصيرة وسريعة ونظيفة" ضد إيران، مؤكدا جهوزية واستعداد القوات الأمريكية.
في ذات السياق، أشار إيال زامير رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي، إلى أنه تمت مناقشة التنسيق الدفاعي بين إسرائيل والولايات المتحدة، في حال شن هجوم على إيران، قد يؤدي إلى إطلاق صواريخ باليستية تجاه إسرائيل.
عملية محدودة أم حرب كبرى؟
ظاهر التصريحات الأمريكية الإسرائيلية، يشير إلى أن أمريكا مقبلة على ضربة محدودة ومؤلمة قد تطال مسؤولين إيرانيين، بذريعة الانتصار والانتقام للمتظاهرين الذين خرجوا للاحتجاج في 28 ديسمبر 2025، واستمرت احتجاجاتهم أسابيع قبل أن تتوقف.
فقد أشار كوبر إلى أن الهجوم المحتمل على إيران إذا وقع، سيستهدف المسؤولين الذين ألحقوا أذى بالمتظاهرين.
وفي ذات السياق، من غير المستبعد أن يكون مرشد الثورة علي خامنئي هدفا، استنادا إلى تلميحات سابقة للرئيس دونالد ترمب، قال فيها؛ إنه "يعرف موقع المرشد الإيراني بدقة" ووصفه بأنه "هدف سهل"، ولكن لن يتم استهدافه في الوقت الحالي، ما أثار ردود فعل إيرانية غاضبة.
الحديث عن المتظاهرين، لا يُنظر له في سياق جدلية العلاقة بين واشنطن وتل أبيب وطهران إلا ذريعة، لاستئناف الحرب على إيران لتحقيق أهداف إستراتيجية، لم يتم إنجازها في عدوان الـ 12 يوما من العام الماضي، والتي كان من أهمها تغيير النظام في إيران أو نزع أسنانه.
ما يعزز هذا الاتجاه، طلب إسرائيل من واشنطن التريث في توجيه ضربة أمريكية حتى يتم التحضير لها جيدا، والتحسب دفاعيا لسيناريوهات ردة فعل إيران التي قد تكون كبيرة وعالية السقف هذه المرة.
في وقت جرى فيه الكشف عن شروط أمريكية لإيران عبر تركيا، تمثلت في:
- تفكيك المشروع النووي، وتسليم اليورانيوم المخصب.
- التخلي عن الصواريخ الباليستية التي يصل مداها إلى إسرائيل.
- التوقف عن دعم شبكة أصدقائها في المنطقة؛ كحزب الله اللبناني، وحركة حماس، والحشد الشعبي في العراق، وأنصار الله الحوثيين في اليمن.
تلك الأهداف والشروط، تعني تغيير إيران سياساتها الخارجية والدفاعية الإستراتيجية جذريا، والانكفاء على نفسها، كدولة إقليمية محايدة بأحسن الأحوال، وهذا ما لم تقبل به إيران، أو لم تلجأ إليه بعد حرب الـ12 يوما في يونيو 2025.
ما يعني أن إيران ما زالت تتمسك بذات النهج والإستراتيجية، مع انفتاحها على المفاوضات مع واشنطن على قاعدة الاحترام المتبادل ومرجعيات القانون الدولي، الذي تجاوزه الرئيس ترمب في تصرفاته وسلوكه بلجوئه إلى سياسة فرض الأمر الواقع بمنطق الأقوى، كما فعل في فنزويلا، وكما يمكن أن يفعل في غرينلاند، وكندا.
إسرائيل ربما وجدت ضالتها وفرصتها لتحقيق أهدافها الكبرى في إيران عبر انصياع الأخيرة لشروطها أو من خلال القوة العسكرية على طريق إعادة رسم الشرق الأوسط، وفق معايير اليمين الصهيوني اللاهوتي المتطرف.
العملية العسكرية الأمريكية التي يصفها قائد القيادة الوسطى كوبر، بـ"القصيرة والسريعة والنظيفة"، إن لم تنجح على قاعدة الصدمة والمباغتة، وهو أمر مشكوك فيه، خاصة إذا تمكنت إيران من المحافظة على تماسكها الداخلي، وأخذت زمام المبادرة في الرد المكثف، فإننا سنكون أمام معركة متدحرجة قد تأخذ المنطقة إلى حرب قاسية بما لها من تداعيات أمنية واقتصادية كبيرة على المنطقة والعالم.
انفجار كبير في منطقة هشة
النظام الإيراني وفق مواقف مسؤوليه وإجراءاته المعلنة يتحضر لحرب واسعة وكبيرة، ويتعامل مع أي عدوان قادم على أنه حرب مصيرية بالنسبة لإيران، خاصة في ظل انحسار مساحة الدبلوماسية، وانعدام الثقة بين واشنطن وطهران، وتراجع قيمة القانون الدولي الناظم للعلاقات الدولية.
من المرجح أن الحرب هذه المرة، ولأهمية تداعياتها الإستراتيجية، أن لا تقف عند حدود إيران الجغرافية؛ فإيران هددت بضرب إسرائيل والقواعد الأمريكية في المنطقة التي ستستخدم في الهجوم عليها.
من جانب آخر، أعلن الأمين العام لحزب الله اللبناني الشيخ نعيم قاسم، الاثنين 26 يناير؛ أن الحزب يعتبر التهديد الأمريكي لإيران، تهديدا مباشرا له وللمقاومة الإسلامية، وأنه لا يمكن التعامل معه على أنه شأن إيراني داخلي، بل هو استهداف صريح لمحور المقاومة.
وشدد على أن الحزب لديه الصلاحية الكاملة لأن يفعل ما يراه مناسبا، التزاما منه بخيار "الولي الفقيه" الذي يشكل المرجعية القيادية في القضايا المصيرية والتحديات الكبرى.
إضافة إلى إمكانية اشتعال الجبهة اللبنانية، هناك تدافع سياسي قوي في العراق؛ فقد اختار "الإطار التنسيقي" الذي يضم أحزابا شيعية ويشكل الكتلة النيابية الكبرى، ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة القادمة.
ما يشير إلى الاقتراب من نقطة الحسم السياسي في العراق بين إيران المؤيدة لنوري المالكي والولايات المتحدة التي لا ترغب به، وقد حذرت الأخيرة بغداد على لسان وزير خارجيتها ماركو روبيو من تشكيل حكومة موالية لإيران، بعد أن أثارت العودة المتوقعة للمالكي إلى منصب رئيس الوزراء، قلق واشنطن.
تسعى الولايات المتحدة إلى أن يعمل رئيس الوزراء القادم على إقصاء وحل فصائل الحشد الشعبي التي تربطها علاقات وثيقة بإيران، والتي هي جزء من الجيش العراقي رسميا.
واشنطن تخشى، إذا أقدمت على قصف إيران، من قيام فصائل الحشد الشعبي باستهداف التواجد الأمريكي في العراق والمنطقة أو باستهداف إسرائيل عبر الأراضي الأردنية، وهذا ما يثير قلق إسرائيل أيضا في أي حرب قادمة على إيران.
فقد أورد تقرير لموقع "واي نت" الإسرائيلي، قبل أيام، أن الجيش الإسرائيلي شرع في عملية واسعة لإعادة إحياء وترميم التحصينات العسكرية على طول الحدود مع الأردن، خشية أن تتحول الحدود الأردنية إلى جبهة مواجهة نشطة مع مسلحين موالين لإيران.
يأتي هذا في وقت نقلت، فيه صحيفة "وول ستريت جورنال"، عن مسؤول دفاعي أمريكي إضافة إلى بيانات رسمية، أن الولايات المتحدة نشرت طائرات من طراز "إف-15 سترايك إيغل" في الأردن، كما تقوم بنقل أنظمة دفاع جوي من نوع "باتريوت" و"ثاد" إلى المنطقة؛ لحماية المنشآت الأمريكية وحلفائها من أي هجمات إيرانية مضادة.
ربما تُخطئ واشنطن ومن ورائها إسرائيل، في حساباتهما إذا قدرتا أن تحويل إيران من دولة خصم إلى دولة صديقة، يمر عبر عملية عسكرية سريعة وخاطفة من الجو؛ ليس فقط لأن إيران دولة كبيرة ونظامها مركب بطريقة معقدة داخليا، بل لأن إسرائيل تريدها حربا استئصالية على نمط الحروب الوجودية، وهذا في حد ذاته يصعب تحقيق الأهداف ويغير معايير الصراع والمعركة.
فالحرب ضد إيران وفق المنطق الإسرائيلي، هي عملية استئصال للنظام في إيران وتغيير لموازين القوى في المنطقة، ما يعد أيضا استئصالا لحزب الله في لبنان، والحشد الشعبي في العراق، وأنصار الله في اليمن، وهذا مدعاة لحرب شرسة، إذا وقعت قد تُحدث انفجارا كبيرا متشظيا في أكثر من بقعة جغرافية في الشرق الأوسط الهش، والذي يعاني من سيولة أمنية كبيرة.
وإذا كانت دول عربية وإسلامية أعربت عن رفضها الحرب على إيران كتركيا، وباكستان، والسعودية، وقطر والعديد من الدول الأخرى لإدراكها خطورة العبث في الجغرافيا السياسية، فإن روسيا، والصين ستنظران لها على أنها حرب أمريكية في ساحتهما الخلفية.
فحجم المصالح الروسية والصينية كبير في إيران اقتصاديا وعسكريا، ناهيك عن حساسية موقع إيران الجيوسياسي، وقربها من الصين شرقا وروسيا شمالا عبر بحر قزوين، ما يزيد من تعقيد المهمة الأمريكية ويرفع تكلفة الحرب، ويصعب تحقيق الأهداف الإستراتيجية للتحالف الصهيوأمريكي في إيران.

