في زمن تتزاحم فيه الفتاوى المتشددة، وتتسابق بعض الأصوات إلى تضييق ما وسَّعه الله، تعود القاعدة النبوية الخالدة: «يسِّروا ولا تعسِّروا» لتذكّرنا أن الأصل في هذا الدين الرفق، وأن الغلو ليس علامة تقوى، بل طريق هلاك، كما حذّر النبي ﷺ: «إياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين».
الدكتور العلامة الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف، يقدّم رؤية متكاملة لمعنى التيسير، وحدود الأخذ بالأحوط، وخطورة تحويل الدين إلى «مجموعة أحوطيات» تُثقِل كاهل الناس وتنفّرهم من طريق الله، خاصة في زمن انشغال الناس بالماديات وعموم البلوى بالمنكرات.
التيسير أصل في الشريعة لا رخصة استثنائية
أول ما يلفت الانتباه في هذا الطرح أنه لا يتعامل مع التيسير كاستثناء أو «ترخُّص» مؤقت، بل كأصل أصيل في بناء التكليف نفسه؛ فالقرآن يقرر بوضوح:
«يُريدُ اللهُ بكم اليسرَ ولا يريد بكم العسر» في آيات الصيام،
«ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج» في باب الطهارة،
«يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً» في سياق تنظيم النكاح.
كلها آيات تؤسس لقاعدة عامة: التكليف في الإسلام مبني على الطاقة، لا على كسر الإنسان أو تحميله فوق وسعه.
النص يلفت النظر كذلك إلى أن التيسير ليس تساهلاً في الحرام ولا لعبًا بالحدود، بل هو التزام بالقواعد والمقاصد الشرعية الكبرى، مع تجنب التنطع والتشديد غير المبرَّر.
ولهذا يذكِّر المؤلف بأن المسلم إذا اختار في بعض المسائل «الأحوط» طلبًا للأكمل لنفسه، فهذا شأنه، لكن إذا تحوّل منهجه كله إلى ترك الأيسر دائمًا، والدعوة إلى الأحوط دائمًا، تحوَّل الدين – في وعي الناس – إلى منظومة مشقة وعسر، وهو عكس ما أراده الشارع الحكيم.
الغلو والتشدد… حين يتحوّل الاحتياط إلى فتنة للناس
القرضاوي يعرض نماذج عملية من سيرة النبي ﷺ تؤكد أن التشدد على الناس ليس ورعًا بل فتنة؛ فقد قال عن صنف من الناس: «هلك المتنطعون»، وكرّرها ثلاثًا، في إشارة إلى من يغرقون في التعقيد والتشدّد في القول والعمل والرأي.
من أبلغ الأمثلة التي يسوقها الحديث: قصة الأعرابي الذي بال في المسجد؛ طبيعي أن يغضب الصحابة، لكن النبي ﷺ أوقفهم وقال: «دعوه، وأريقوا على بوله سجلاً من ماء… فإنما بُعثتم ميسِّرين ولم تُبعثوا معسِّرين».
هنا يظهر الفرق بين ردّة فعل الغيرة المنفعلة وبين فقه المربي الحكيم؛ الأول يريد أن يؤدب المخطئ بالعنف، والثاني يرى أن المبالغة في الزجر ستضاعف الضرر، وأن إصلاح الخطأ يكون بأخفِّ طريق ممكن.
في باب العبادة كذلك، يقرّر النص قاعدة نبوية مهمة: «ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا».
هذا المبدأ يهدم ثقافة ترى أن «الأشد دائمًا أفضل»، ويعيد الأمور إلى ميزانها الصحيح: الأفضل هو الأتقى والأقرب لمراد الشارع، لا الأشد مشقة بلا سبب.
ولذلك وبَّخ النبي ﷺ معاذ بن جبل عندما أطال القراءة في صلاة الجماعة: «أفتَّانٌ أنت يا معاذ؟»؛ أي هل تريد أن تفتن الناس في دينهم وتنفّرهم؟ وكأنه يقول: قد يتحوّل الحرص على الإكثار من الطاعة – إن جهل صاحبه أحوال الناس – إلى وسيلة صدٍّ عن العبادة لا تقريب إليها.
بين فقه الخواص وواقع الناس… لماذا نحتاج التيسير أكثر من أي وقت؟
يُفرّق العلامة بوضوح بين ما يجوز للإنسان أن يُلزم به نفسه، وما يَسُوغ أن يُلزِم به الناس؛ فالنبي ﷺ – كما يذكر – كان أطول الناس صلاة إذا صلى لنفسه، وأخفَّهم صلاة إذا أمَّ الناس، وقال: «إذا صلى أحدكم للناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير…».
بل يقدّم نموذجًا شديد الإنسانية: كان ﷺ ينوي إطالة الصلاة، فإذا سمع بكاء طفل خفّف، رحمةً بأمّه. هنا لا نتحدث عن «رخصة فقهية» مجردة، بل عن فقه نفسية الناس، وقدرتهم، وأحوالهم.
النص يذكّر أيضًا بمسألة «الوصال في الصوم»؛ الصحابة رأوا النبي ﷺ يواصل صيامه من يوم ليوم، فأرادوا أن يفعلوا مثله، فنهاهم، وبيّن أنه حالة خاصة به، لا تُفرض على الأمة.
الرسالة هنا واضحة: ليس كل ما يُحتمل للخاصة يصلح أن يُحمَّل على العامة، ومن الخطأ أن يفرض الداعية أو طالب العلم مستوى من الورع الشخصي على الناس، وكأنه جزء من أصل الدين.
في زماننا، كما يشير النص، تتضاعف الحاجة إلى هذا الفقه؛ فهناك:
• رِقّة في الدين وضعف في اليقين،
• سيطرة لخطاب مادي يستهلك الناس ليل نهار،
• وعموم بلوى بالمنكرات حتى صارت عند كثيرين «قاعدة الحياة» لا استثناءها.
في هذا السياق، يصبح القابض على دينه كالقابض على الجمر فعلًا، فإذا جاءه الخطاب الديني محمَّلًا بغلظة وتشديد، زادت الفجوة بدل أن تُردم. لهذا وضع الفقهاء قواعد مثل: «المشقة تجلب التيسير»، «إذا ضاق الأمر اتسع»، «عموم البلوى من موجبات التخفيف»؛ ليست ترفًا نظريًا، بل آليات رحمة تحمي الشريعة من أن تتحول إلى عبء لا يُحتمل.
في النهاية، يوجّه القرضاوي رسالته مباشرة إلى الشباب وطلاب العلم:
خذوا بالدليل، واحرصوا على التقوى، لكن إياكم أن تجعلوا التشدد معيارًا للتقوى، أو أن تحوّلوا الدين إلى سلسلة اختبارات قاسية لا ينجح فيها إلا قلة. فدين الله جاء رحمة للعالمين، ومن أعظم صور الرحمة أن تُوصِل الناس إلى الطاعة بثوب اليسر، لا أن تطردهم عن أبواب المساجد باسم الاحتياط والصرامة.

