في زمن تتزاحم فيه المنابر، وتتكاثر القنوات والدعاة والحسابات الدينية على منصات التواصل، تصبح أبسط الأسئلة أخطرها: من أين نأخذ ديننا؟
الدكتور العلامة الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف، يضع إجابة واضحة وحاسمة: العلم الشرعي لا يُؤخذ إلا عن أهل الورع والاعتدال، الذين يجمعون بين سَعة العلم، وصدق العمل، ورجاحة الفهم، بعيدًا عن الغلوّ والتسيّب، وعن المتصدرين بلا أهلية الذين يخلطون بين الخطابة المؤثرة والتحقيق العلمي الرصين.
أولًا: العلم الشرعي ليس ادّعاءً… بل تراث وأصول ورجال
يؤكد القرضاوي أن أساس العلم الشرعي هو الكتاب والسنة، لكن فهمهما لا يكون بالادّعاء المباشر، بل عبر جهود المفسّرين والفقهاء والأصوليين الذين خدموا النصوص قرونًا، وأقاموا أصولًا وضوابط، وفرّعوا عليها الأحكام والفروع.
من هنا يحذّر من نموذجين منحرفين:
• من يدّعي الاكتفاء بالكتاب والسنة مع الطعن في علماء الأمة ومذاهبها، فهذا – كما يصفه – غير مأمون على الدين، لأنه يقطع السلسلة العلمية ويُسقط ميزان الفهم.
• ومن يغرق في كتب المذاهب ويهمل العودة إلى النصوص ودلائلها، فهذا أهمل أصل الدين ومصدر التشريع.
العلم الشرعي الصحيح هو الموقف الوسطي بين هذين الطرفين: احترام التراث والاجتهادات، مع إبقاء النص القرآني والنبوي هو الأصل الحاكم والمرجع الأعلى.
ثانيًا: ليس كل من تصدّر للناس يصلح أن يُؤخذ عنه العلم
يلفت العلامة النظر إلى فئة واسعة في واقعنا: علماء أو متدينون متخصصون في مجالات إسلامية (تاريخ، فلسفة، تصوف… إلخ) قد يكون لهم قدر علمي في باب معين، لكنهم ليسوا بالضرورة أهل فتوى ولا مرجعية في الأحكام.
يضاف إلى هؤلاء الخطباء والوعّاظ الذين يحسنون التأثير في الجماهير، ويملكون لغة جزلة وخطابًا مؤثرًا، لكن كثيرًا منهم – كما يقول – يجمع بين الغث والسمين، ويمزج الحقيقة بالخرافة، ويختلط عليه الواجب والمستحب، والأصول والفروع.
هنا يقرر يوسف القرضاوي قاعدة مهمّة: الوعظ والخطابة فن، والفقه والتحقيق فن آخر، وليس كل من يحسن أحدهما يحسن الآخر.
الخطر أن الجماهير تنخدع بسحر البيان، فتظن أن من يحرك مشاعرها أهل لأن يُفتِي في الدماء والأعراض والمعاملات المعقدة، في حين أنه لم يرسخ في أصول الفقه ولا في أدوات الاجتهاد. وهنا تأتي دعوته للشباب: لا تنخدعوا بالصوت العالي ولا بالأسلوب المؤثر، بل اسألوا دائمًا عن العلم والورع والاعتدال.
ثالثًا - الورع والاعتدال.. شرط الأمان في زمن الغلوّ والتسيّب
العلم وحده لا يكفي؛ لا يُقبَل العلم – كما يوضح القرضاوي – من عالم لا يعمل به، ولا يخشى الله تعالى.
الورع هنا ليس شكلاً أو مظهرًا، بل هو خشية حقيقية تمنع العالم أن:
• يقول على الله بغير علم.
• يبيع فتاواه في سوق السياسة، فيسخّر علمه لتبرير ظلم أو تسويغ استبداد.
ثم يضيف صفة ثالثة حاسمة: الاعتدال.
فقد ابتُليت الأمة في عصرنا – كما يقول – بنموذجين مدمرين:
• غلاة يكادون يحرّمون على الناس كل شيء، ويضيّقون واسع الشريعة باسم الغيرة على الدين.
• ومتسيّبون يكادون يبيحون كل شيء، يسيّبون الأحكام باسم التيسير والمرونة ومواكبة العصر.
ويشرح أن بعضهم يغلّق باب الاجتهاد ويُوجب التقليد المذهبي الصارم، فيقتل روح التجديد، بينما يطعن آخرون في المذاهب كلها ويحتقرون جهود قرون من الاجتهاد، وكلاهما على طرفي نقيض.
كما ينتقد فريقًا حرفيًّا يقف عند ظاهر النص دون نظر إلى المقاصد، فيسقط في الجمود، وفريقًا آخر مؤولًا مفرِطًا يحوّل النصوص إلى “عجينة” تقبل أي معنى يريده، فيذيب ثوابت الشريعة.
العالم المأمون – كما يرسمه النص – هو الصنف الوسط الذي:
• يجمع بين عقل الفقيه وقلب التقي.
• يوازن بين الواجب المطلوب والواقع المعاش.
• يفرّق بين أحكام الاختيار والسعة وأحكام الضرورة والاضطرار.
• لا يسمح أن يتحوّل التيسير إلى تمييع للحلال والحرام، ولا أن يتحوّل الاحتياط إلى تعذيب للناس وتشديد لا يحتمله العوام.
ويختم باستشهاد بقول الإمام سفيان الثوري: «إنما العلم الرخصة من ثقة، أما التشديد فيحسنه كل أحد».
أي أن المفتي الذي يفهم مقاصد الشريعة ويقدّم رخصة منضبطة عند الحاجة، هو صاحب العلم الحقيقي، أما التشديد الدائم فليس دليل ورع، بل قد يكون جهلًا أو قسوة أو هروبًا من مسؤولية الاجتهاد.
خريطة طريق للشباب في زمن الفوضى الفقهية
هذا النص يقدم في جوهره خريطة طريق للشباب المسلم في زمن الفوضى الفقهية والدعوية:
• لا تُسقطوا العلماء ولا تحتقروا تراث الأمة بحجة “العودة المباشرة للكتاب والسنة”.
• ولا تُقدّسوا الأسماء والعمائم حتى لو خالفت النصوص والمقاصد والعقل السليم.
• لا تنخدعوا بمجرّد فصاحة أو حضور إعلامي أو عدد المتابعين.
خذوا العلم – كما يلخص الكاتب – عن من جمع ثلاث خصال:
سَعة علم راسخة، ورع وخشية تمنعه من التلاعب بالدين، واعتدال يحفظه من الغلوّ والتسيّب.
بهذا وحده يمكن للشباب أن يحموا دينهم من تجار الفتاوى، وغلاة المنابر، وخطاب الكراهية أو التمييع، وأن يظلّ الإسلام كما أراده الله: دين عدل ووسطية ورحمة، لا دين تشدد أعمى ولا دين فوضى بلا ضوابط.

