في تغريدة ساخرة على تصريح وزيرة التخطيط رانيا المشاط " زي ما الناس محتاجة فلوس، الدولة برضو محتاجة فلوس"، التقطها الصحفي سليم عزوز ليفضح من خلالها عقلية سلطة لم تعد ترى الدولة ككيان قانوني يخدم الناس، بل كـ«شريك مفلس» ينافس المواطنين على لقمة عيشهم، ويبرر جباية الضرائب والرسوم باعتبارها «حقه» في زمن الضيق، لا باعتبارها جزءًا من عقد اجتماعي له طرفان وحقوق وواجبات متبادلة قائلا: "نظرية برضه عندما تتحول الدولة الى واحد صاحبك".
https://x.com/selimazouz1/status/2017882076482027552
سليم عزوز: الدولة ليست «صاحب محتاج» بل سلطة مسؤولة تُحاسَب لا تشحت
في تعليق حاد، يضع سليم عزوز الإصبع على جوهر المشكلة: الوزيرة تتحدث عن الدولة كأنها فرد من الناس، واحد من «العيال» مضغوط ماديًّا، يحتاج أن «يكعّ» له الباقون. هذا المنطق، كما يلمّح عزوز، خطير لأنه يلغي الفارق الجوهري بين الدولة والمواطن.
المواطن فرد محدود الدخل، يعمل ويدفع ضرائب ورسوم، ويتحمل التضخم وغلاء الأسعار.
أما الدولة فكيان دستوري يمتلك سلطة التشريع والجباية والإنفاق، ويسيطر على الموارد، وله اليد العليا في تحديد الأولويات.
حين تقول الوزيرة: «الدولة محتاجة فلوس زي الناس»، تتجاهل أن الدولة هي من وضعت السياسات التي أوصلت الناس إلى هذه الحال، وهي من استدانت، وباعت الأصول، ورفعت الضرائب، وحررت الأسعار، ثم جاءت الآن تنافس المواطن في نفس الجملة: «كلنا مضغوطين».
سليم عزوز بهذا المعنى يذكّرنا أن الدولة ليست كائنًا بريئًا وقع عليه الغلاء فجأة؛ بل هي الفاعل الرئيسي في صناعة الأزمة. الفرق كبير بين أن تقول حكومة لمواطنيها: «نعرف أنكم تعانون، وهذه خطة تحمّلكم فيها جزءًا من التكلفة ونحمّل أنفسنا الجزء الآخر»
وبين أن تقول لهم ببساطة: «احنا كمان محتاجين فلوس، استحملوا».
منطق «الدولة محتاجة فلوس».. غطاء سياسي للجباية بلا حدود
هذا النوع من الخطاب، الذي ينتقده سليم عزوز ضمنيًّا، ليس بريئًا ولا عابرًا؛ هو تمهيد نفسي لمزيد من الجباية.
حين تُشاع الفكرة أن «الدولة فقيرة زينا» يتحوّل كل قرار جديد بفرض رسوم أو زيادات ضريبية أو رفع دعم إلى شيء «طبيعي»؛ وكأن المواطن الذي لا يجد ثمن العلاج أو الإيجار أصبح مطالبًا بالتعاطف مع موازنة حكومة تُنفِق بالمليارات على مشروعات لا يراها أولوية، ثم تأتي لتقول له: «ما تستكترش علينا، إحنا كمان مزنوقين».
في هذا السياق، يصبح الفرق بين الضريبة والإتاوة مسألة لغة فقط:
الضريبة في الدول السليمة تعني عقدًا واضحًا: تدفع مقابل خدمات وتعليم وصحة وبنية تحتية وعدالة.
أما حين تتحول الدولة إلى منطق «صاحبك المحتاج»، فكل ما تدفعه يصبح «مساهمة في إنقاذه» لا حقًّا لك عنده. لا رقابة حقيقية، ولا شفافية في أين تذهب الأموال، ولا أولويات يشارك فيها الناس.
سليم عزوز، وهو يعيش ويكتب في مناخ يرى فيه الناس تُسحَق تحت موجات الغلاء، يدرك أن هذه الجملة ليست زلة لسان؛ بل انعكاس لخط عام: تحميل المواطن المسؤولية مع إعفاء السلطة من الحساب. كأن من حق الدولة أن تستدين وتفشل وتُهدر، ثم تعود لتطلب من الناس «تفهم الظروف».
عندما تُختزل الدولة في خزنة فارغة.. يسقط معنى العدالة والتمثيل
في نقده لهذا المنطق، يذهب سليم عزوز – بوضوح أو تلميح – إلى نقطة أعمق: لو كانت الدولة حقًّا تشبه الناس في الضيق، لكان أول ما تفعله هو أن تتحمّل مع الشعب، لا أن تضعه في الصف الأول للدفع.
كان ينبغي أن نرى:
تقليصًا حقيقيًّا لمصاريف البذخ الرسمي،
ومراجعة جدية لمشروعات تلتهم المليارات بلا عائد واضح،
ومحاسبة على عقود فاشلة وديون متراكمة،
ثم بعد ذلك، إن بقي عجز، تشرح السلطة للناس بعقل واحترام ما تحتاجه منهم وكيف سيعود عليهم.
لكن ما نراه اليوم عكس ذلك:
الدولة – كما تظهر في خطاب مثل تصريح رانيا المشاط – تختزل نفسها في خزنة فارغة تبحث عمن يملؤها، لا في مؤسسات يُفترض أنها تمثل المجتمع وتدير موارده لصالحه.
لا حديث عن من يتحمل مسؤولية الوصول إلى هذا العجز، ولا عن مليارات أُنفقت بلا شفافية، ولا عن ثروات ضاعت أو أصول بيعت بثمن بخس، ثم يُطلب من المواطن أن يتفهّم أن «الدولة محتاجة فلوس».
لهذا يبدو ردّ سليم عزوز مهمًّا؛ لأنه يعيد ترتيب المعادلة:
الدولة ليست «صاحبك»؛ هي سلطة تحكمك وتحصّل منك وتستطيع أن تسجنك.
وبالتالي لا يحق لها أن تخاطبك بمنطق: «إحنا زيكم تعبانين»، بل بمنطق: «نحن المسؤولون عن إدارة هذه الأزمة، وأنتم أصحاب الحق في أن تسألونا: أين ذهبت أموال البلد؟ ولماذا ندفع نحن وحدنا ثمن الأخطاء؟».
في النهاية، ما يفضحه تعليق سليم عزوز على تصريح رانيا المشاط هو تحوّل خطير في لغة السلطة: من دولة تعترف نظريًّا بأنها خادمة للمجتمع، إلى كيان يقف في طابور «المحتاجين» جنبًا إلى جنب مع مواطنيه، ثم يتقدم الصف فجأة ليمد يده في جيوبهم أولًا… ويطلب منهم أن يصفّقوا وهو يفعل ذلك.

