في الوقت الذي يختنق فيه ملايين المصريين تحت فواتير كهرباء ملتهبة وانقطاعات متكررة، جاءت تعديلات قانون الكهرباء الجديدة كمطرقة فوق رؤوسهم، إذ تغلّظ العقوبات على "سرقة التيار" حتى مليونَي جنيه وحبس قد يصل لسنتين، بينما تتجاهل تمامًا من صنعوا السياسات التي دفعت الناس أصلًا إلى الهروب من العداد إلى السلك العريان.

 

وفي مفارقة لافتة، رفض عدد من أعضاء مجلس النواب المشروع المقدم من الحكومة، وهاجموا توقيته وروحه العقابية، في واحدة من المرات النادرة التي يظهر فيها صوت احتجاجي تحت القبة ضد تشريع يُصوَّر كأنه "حرب على اللصوص"، بينما جوهره عقاب للفقراء والهاربين من ظلم التعريفة والجباية.

 

تغليظ عقوبات الكهرباء: مطرقة جنائية على رقاب المنهَكين

 

مشروع التعديلات، الذي سبق ووافق عليه مجلس الشيوخ في 21 ديسمبر الماضي، يناقَش الآن في اجتماع مشترك للجنة الشؤون الدستورية والتشريعية وهيئة مكتب لجنة الطاقة والبيئة برئاسة وزير الكهرباء السابق طارق الملا، في نموذج صارخ لتداخل "الخصم والحكم": وزارة وضعت السياسات، ثم تعود لترأس اللجنة التي تشرف على تشريع يعاقب من دفعوا ثمن تلك السياسات.

 

التعديلات لا تتحدث عن تحسين الخدمة، ولا مراجعة التعريفة، ولا محاسبة المسؤولين عن الديون الضخمة لمحطات سيمنز وغيرها، بل تنطلق رأسًا إلى ساحة العقاب:

 

حبس لا يقل عن سنة وغرامة من 100 ألف إلى مليون جنيه لموظف الكهرباء الذي يسهّل توصيل التيار بالمخالفة أو يعلم بالمخالفة ولا يبلغ.

 

حبس لا يقل عن سنة وغرامة بين 50 ألفًا ومليون جنيه لكل من "استولى بغير حق على التيار"، مع مضاعفة العقوبة في حال التكرار.

 

وإذا كانت "السرقة" عن طريق التدخل العمدي في معدات الإنتاج أو النقل أو التوزيع، تقفز العقوبة إلى حبس لا يقل عن سنتين وغرامة من 200 ألف إلى مليوني جنيه.

 

حتى باب "التصالح" صيغ بروح جباية لا عدالة: مثل قيمة الاستهلاك قبل رفع الدعوى، ثلاثة أمثال بعد رفعها وقبل الحكم، وأربعة أمثال بعد صدور حكم بات، بالإضافة إلى تكاليف إعادة الشيء لأصله وما لحق بالمهمات من تلف. أي أن المواطن يُعامَل كخصم يجب عصره حتى آخر قرش، لا كطرف في علاقة مختلة أصلًا بين مستهلك أسير وشركة احتكارية لا منافس لها.

 

نواب يحتجون: لا تساووا من في "العِشّة" بمن في "الكومباوند"

 

اللافت في المناقشات أن عددًا من النواب قرروا الخروج عن النص الحكومي. المستشار محمد عيد محجوب، رئيس اللجنة التشريعية، حاول تبرير التعديل بالقول إنه يأتي في وقت "تتضاعف فيه حالات سرقات الكهرباء"، لكن النائب ضياء الدين داود وضع إصبعه على السؤال الأخطر: أين تقييم أثر قانون 2015 وتعديل 2020؟ إذا كانت العقوبات غُلِّظت من قبل ولم تتراجع السرقات، فالمشكلة في السياسة لا في النص، وفي العدالة لا في الشدة.

 

داود ذكّر بحقيقة مُحرِجة: المصريون هم من دفعوا – عبر القروض والضرائب وغلاء الأسعار – تكلفة محطات سيمنز وغيرها، وبالتالي فالكهرباء ليست "منّة" من الحكومة بل خدمة موّلها الشعب، ومن حقه أن يناقش السياسة التي تضبط النصوص قبل أن يقبل مزيدًا من العقاب.

 

النائب مصطفى بكري ذهب مباشرة إلى جوهر الظلم الاجتماعي، رافضًا المشروع لأنه "يساوي بين المواطن اللي ساكن في عِشّة، واللي ساكن في كومباوند وصاحب مصنع". التشريع الجديد يتعامل مع كل أشكال الاستيلاء على التيار كأن دوافعها واحدة: لا يفرّق بين من يسرق ليُنير فيلا فاخرة، ومن يمدّ سلكًا عارٍ ليُنير غرفة من صفيح تسكنها أسرة كاملة عاجزة عن تركيب عداد أو دفع فواتير.

 

أما النائب عاطف مغاوري فاعتبر أن مناقشة المشروع في بداية الفصل التشريعي "فأل غير حسن" و"رغبة انتقامية" يجب أن يترفّع المجلس عن أن يكون طرفًا فيها، مؤكدًا أن الأصل قبل تغليظ أي عقوبة هو معالجة جذور الأزمة: شركة احتكارية تفرض أسعارها وشروطها، وتتعامل مع المواطن من موقع القوة لا من موقع الخدمة العامة.

 

قانون يعاقب الفقراء ويتجاهل أصل الجريمة: سياسة الإفقار أولًا

 

النائب عمر علي من حزب حماة الوطن قدّم شهادة ميدانية تكشف الوجه الحقيقي للأزمة؛ إذ أشار إلى أن كثيرًا من المواطنين الذين عجزوا عن التصالح في مخالفات البناء "يضطرون إلى سرقة الكهرباء". هنا تتضح الصورة كاملة: حكومة تترك الناس لسنوات في وضع قانوني معلق، بيوت بلا تراخيص ولا تصالح، ثم تأتي لتقول لهم: لا عداد لكم ولا خدمة منتظمة، ومن يمدّ سلكًا واحدًا سيُجرّ إلى السجن ويُغرَّم مئات الآلاف.

 

بهذا المعنى، لا يصبح مشروع التعديل مجرد "قانون لمواجهة سرقة التيار"، بل أداة جديدة لمعاقبة من دفعوا ثمن الفوضى الإدارية، وغياب التخطيط العمراني، وسياسات الجباية عبر مخالفات البناء. بدل أن تعالج الدولة أسباب انفجار ظاهرة الاستيلاء على الكهرباء – من فقر، وبطالة، وغياب عدادات مسبقة الدفع في المناطق المهمشة، وتعقيد إجراءات التوصيل – تختصر الطريق وتُعلِّق كل شيء على مشجب "اللص الصغير"، بينما تبقى أسئلة "اللص الكبير" خارج النص: من اتخذ قرار التعريفة؟ من راكم الديون؟ من ترك شركة واحدة تحتكر الخدمة بلا منافسة حقيقية ولا شفافية في التكلفة؟

 

تعديلات قانون الكهرباء، في صيغتها الحالية، تقول للمصري بوضوح:

 

دورك أن تتحمّل ديون المشروعات العملاقة،

 

وتدفع الفواتير المجنونة،

 

وتصمت على الانقطاعات،

 

ثم إذا لم تستطع اللحاق بكل هذا… فالسجن في انتظارك.

 

لهذا بدا اعتراض بعض النواب ليس مجرد خلاف تقني حول صياغة مواد، بل رفضًا – ولو خجولًا – لروح تشريع يرى في المواطن خصمًا يجب تأديبه، لا شريكًا اختنق من سياسات جعلت النور الذي موّله بعرقه… تهمة قد تزجّ به خلف القضبان.