أصيب 6 أطفال بقرية طماي الزهايرة بمركز السنبلاوين بمحافظة الدقهلية، نتيجة هجوم كلب ضال عليهم أثناء تواجدهم في الشارع، وتم نقلهم إلى مستشفى السنبلاوين العام لتلقي الإسعافات الأولية وأخذ المصل المضاد للعقار.
الحادثة أعادت تسليط الضوء على واحدة من أخطر الأزمات الصامتة التي تتفاقم يومًا بعد يوم في الشارع وسط تصاعد لافت في أعداد الكلاب الضالة، وتزايد حوادث العقر والمطاردة، في ظل غياب حلول جذرية ومستدامة.
الحادثة، التي هزّت الرأي العام المحلي، لم تكن استثناءً أو واقعة معزولة، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من البلاغات اليومية التي تتلقاها أقسام الطوارئ والمستشفيات من مختلف المحافظات، ما يكشف عن خلل هيكلي في إدارة ملف الكلاب الضالة، وتحوله من مشكلة بيئية إلى تهديد مباشر لحياة المواطنين.
الشارع بلا أمان.. شهادة مواطنين من قلب الأزمة
تشير شهادات مواطنين من محافظات متعددة إلى تصاعد غير مسبوق في أعداد الكلاب الضالة خلال السنوات الأخيرة، بالتوازي مع تراجع الإحساس بالأمان في الشوارع الرئيسية والمناطق السكنية، لا سيما خلال فترات المساء والليل.
قطعان من الكلاب باتت تجوب الشوارع دون رقيب، وتحتل الميادين والحدائق العامة ومحيط المدارس والمستشفيات، فيما يقتصر التدخل الرسمي في أغلب الأحيان على التحرك بعد وقوع الحوادث، لا قبلها.
وفي الأحياء الشعبية كما في المجتمعات السكنية الراقية، أصبح السير على الأقدام مغامرة غير مضمونة العواقب، خاصة بالنسبة للأطفال وكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة، الذين يشكلون الفئة الأكثر عرضة للخطر.
السعار.. الخطر الصامت الذي يهدد الأرواح
التحذيرات الطبية تضيف بعدًا أكثر خطورة للمشهد، حيث أكدت الدكتورة سارة عطاالله، رئيس المركز العلمي بالنقابة العامة للأطباء البيطريين، أن أزمة الكلاب الضالة تجاوزت كونها مشكلة بيئية أو تنظيمية، لتتحول إلى تهديد صحي جسيم.
وأوضحت أن عقر الكلاب يُعد من أخطر طرق انتقال فيروس السعار إلى الإنسان، وهو مرض قاتل بنسبة تقترب من 100% بمجرد ظهور أعراضه الإكلينيكية. الأخطر من ذلك أن الحيوان المصاب قد ينقل العدوى قبل ظهور أي علامات مرضية عليه، ما يجعل كل حادثة عقر – حتى من كلب يبدو سليمًا – تهديدًا مباشرًا بالموت.
وأضافت أن التعامل المتأخر مع الإصابة، أو عدم استكمال جرعات المصل في مواعيدها، قد يؤدي إلى نتائج كارثية لا يمكن تداركها.
أرقام صادمة وضغط متزايد على المستشفيات
بحسب بيانات رسمية، جرى تسجيل أكثر من 190 ألف حالة عقر خلال أقل من عام واحد، بزيادة ملحوظة مقارنة بالأعوام السابقة، في مؤشر خطير على اتساع رقعة الظاهرة وفشل التدخلات الحالية في الحد منها.
في المقابل، تشير تقديرات غير رسمية إلى أن أعداد الكلاب الضالة في مصر تتراوح بين 20 و30 مليون كلب، وهو رقم ضخم يعكس حجم التحدي الذي تواجهه الدولة والمجتمع على حد سواء.
هذا التصاعد انعكس بشكل مباشر على المستشفيات، خاصة مستشفيات الحميات ومراكز السموم، التي تعمل تحت ضغط هائل لتوفير أمصال السعار، وسط مخاوف متزايدة من حدوث أزمة صحية موازية إذا استمر الوضع دون تدخل حاسم ومنهجي.
إدارة بالأزمات لا بالحلول
رغم الإعلان بين الحين والآخر عن مبادرات لإنشاء ملاجئ للكلاب الضالة، أو إطلاق حملات تعقيم وتطعيم في بعض المدن، يرى خبراء ومتخصصون أن هذه الجهود لا تزال محدودة ومجزأة، ولا تتناسب مطلقًا مع حجم الأزمة وانتشارها الجغرافي.
فمأوى واحد، أو حملة جزئية مؤقتة، لا يمكنه مواجهة ظاهرة ممتدة في كل شارع وقرية ومدينة، خاصة في ظل غياب قاعدة بيانات دقيقة، واستراتيجية وطنية موحدة، وتنسيق فعّال بين وزارات التنمية المحلية، والصحة، والبيئة، والزراعة.

