بين ليلة وضحاها، اختفت «التكاتك» من شوارع أحياء في القاهرة والجيزة، وظهرت بدلاً منها سيارات «كيوت» صغيرة بقرارات فوقية، كأن السلطة قررت فجأة أن تُجمِّل صورة الفوضى المرورية دون أن تقترب من أصل الأزمة: غياب نقل عام محترم، وترك ملايين الفقراء أسرى لمزاج السوق، ثم ملاحقة الوسيلة الوحيدة التي وصلت إلى المناطق التي هجرتها الدولة منذ عقود.

 

شاب مثل هاشم السيد في السادس من أكتوبر، لم يجد «توك توك» يقله، فاضطر للمشي كيلومترين تحت حمل التعب والأسعار معاً، قبل أن يكتشف أن سائقين هربوا من حملة مطاردة وليس من «عشوائية» قرروها هم.

 

استبدال الفقر بديكور «حضاري»

 

المسؤولون يبيعون للناس رواية جاهزة: «التوك توك خطر وعشوائي ومصدر للفوضى والتلوث السمعي، ولا يليق بالعاصمة». كلام محافظ القاهرة عن أن «إلغاء التوك توك لا رجعة فيه» يعكس عقلية تريد تنظيف الكادر أمام الكاميرا، لا الواقع على الأرض.

 

ما لا يقوله المحافظ أن التوك توك لم يدخل من بوابة أفراحه، بل من بوابة غياب الدولة. هو من ملأ فراغ النقل في الأحياء الشعبية، وفي الممرات الضيقة التي لا يجرؤ سائق ميكروباص أو تاكسي أبيض على دخولها، وفي قرى ونجوع لا تعرف ما معنى «موقف رسمي» أو «أوتوبيس داخلي». التوك توك هنا لم يكن «ترفاً» بل شرياناً يومياً للطلبة والعمال والأهالي.

 

الدولة تهرب من سؤال جوهري: لماذا تضطر أسرة فقيرة لركوب توك توك أصلاً؟ لأن شبكة النقل العام تراجعت، والاتفاق غير المعلن كان واضحاً: «نترككم تنقلون أنفسكم على حساب أمانكم، وأنتم لا تسألوننا عن حقكم في مواصلات آدمية». الآن، يريدون كسر هذا «الاتفاق» من طرف واحد، بقمع وسيلة النقل لا بإصلاح المنظومة.

 

سيارة وزارة الإنتاج الحربي.. بيزنس بقرارات إدارية

 

قرار استبدال التوك توك بـ«الكيوت» لم يأت من فراغ؛ فالسيارة الجديدة تُنتَج داخل مصانع تابعة لوزارة الإنتاج الحربي، وتُفرض على السوق بسلسلة قرارات: منع استيراد التوك توك وقطع غياره، ثم مطاردة ما هو موجود في الشوارع، ثم فتح «إدارة استبدال» في الجيزة، تجعل السائق يدفع فارقاً يصل إلى 200 ألف جنيه، بتكلفة إجمالية تقترب من 400 ألف جنيه لمركبة لا تتسع لأكثر من ثلاثة ركاب وبمحرك ضعيف.

 

خبير السيارات مصطفى الدسوقي يشير إلى أن «الكيوت» بمحركها الصغير وشكلها المغلق تحتاج شوارع مرصوفة ومنضبطة، وهي رفاهية غير موجودة في أغلب الأحياء الشعبية والقرى، حيث الحفر والمطبات والتراب هو المشهد الدائم. ومع ذلك، تُصر الدولة على فرض منتجها بقوة القرار الإداري، لا بقوة الكفاءة أو القبول الشعبي.

 

السائق الذي يعيش «يوم بيوم» لا يملك مقدماً ولا ضماناً ولا استعداداً لتحمل قسط سيارة يقترب ثمنها من سيارة تاكسي عادية يمكن تشغيلها عبر شركات النقل الذكي لمن يملك زبوناً قادراً على الدفع. ومع ذلك، يُطلب منه أن «يُكَهِّن» التوك توك، ويُسلم رخصته، ويلتزم بتعريفة موحدة في وقت لا تلتزم فيه الدولة بتكلفة الوقود وقطع الغيار.

 

هكذا يتحول ملف «تنظيم المرور» إلى مشروع استثماري مقنَّع: تمنع التوك توك، ترفع أسعاره أربعة أضعاف في السوق السوداء، تترك تجارة قطع غياره تدخل «بطرق ملتوية»، ثم تعرض بديلك المحلي الأعلى سعراً بشروط تمويل معقدة، وتقول للفقراء: «هذا هو البديل الحضاري… ادفع وإلا فلتُخرِج من الشارع».

 

نقل عام غائب.. وتوك توك مطارد وسائقون في المجهول

 

منذ عقود انسحبت الدولة تدريجياً من مسؤوليتها عن النقل الداخلي: شبكة الأوتوبيسات تهالكت، الترام اختفى، مشروعات «السيارة الشعبية» ماتت مع خصخصة القطاع العام، وترِكَت المسافات بين البيوت والمدارس والمستشفيات ومحطات المترو تتسع بلا بديل. في هذا الفراغ تمدد التوك توك و«التروسيكل» وسيارات النصف نقل، ليست كمؤامرة على «هيبة العاصمة»، بل كاستجابة تلقائية لحاجة الناس.

 

تُقدَّر أعداد التكاتك بالملايين، ويعتمد عليها ملايين السائقين كدخل رئيسي، بمتوسط يومي لا يتجاوز بضع مئات من الجنيهات. هؤلاء لم توفّر لهم الدولة وظيفة ولا تأميناً ولا معاشاً، وفجأة تريد أن تسحب منهم أداة رزقهم بحملة أمنية، دون أن تضمن لهم بديلاً حقيقياً، أو تعيد بناء شبكة نقل عام تليق ببلد يفوق سكانه المئة مليون.

 

خبراء الإدارة المحلية يحذرون منذ سنوات من أن الحل ليس في «قتل» التوك توك، بل في تقنينه: ترخيص، لوحات، خطوط سير، فحص فني، تأمين على الركاب، والتزام ضريبي واضح. عندها يتحول من «شبح عشوائي» إلى وسيلة نقل شعبية منضبطة، تحفظ حق الدولة وحق المواطن وحق السائق. لكن ما يحدث الآن هو العكس: حرب على الوسيلة الأضعف، وصمت عن غياب المنظومة الأقوى.

 

في النهاية، لا «الكيوت» ستُصلِح شوارع مكسّرة، ولا مطاردة التوك توك ستُعيد شبكة النقل العام، ولا إلزام السائق الفقير بدفع مئات الآلاف سيجعل المدينة «حضارية». ما تفعله السلطة اليوم هو تغيير شكل المركبة، لا تغيير فلسفة الإدارة: تجميل الفوضى بدل إنهائها، وتحويل ملف النقل – مثل غيره – إلى سبوبة جديدة، يدفع ثمنها الركاب الفقراء وسائقون مهددون بأن يجدوا أنفسهم غداً خارج الشارع… وخارج الحياة.