أعاد النائب ناجي الشهابي، رئيس حزب الجيل وعضو مجلس الشيوخ، اسمه إلى واجهة الجدل العام مجددًا، لكن هذه المرة على جبهتين في آن واحد؛ الأولى داخل لجنة التعليم والبحث العلمي حين طرح مقترحًا بمدّ مدة طابور الصباح المدرسي إلى ساعة كاملة بوصفه “ركيزة أساسية لبناء شخصية الطالب”، والثانية تحت قبة المجلس حين أعلن صراحة عدم اعترافه بثورة 25 يناير إلا باعتبارها “عيدًا للشرطة فقط”، في تعارض واضح مع ديباجة الدستور المصري.

وبينما دافعت وزارة التعليم عن مقاربة أكثر واقعية بشأن الطابور الصباحي، سارع عدد من النواب والسياسيين إلى الرد على تصريحات الشهابي المتعلقة بثورة يناير، مؤكدين أنها حدثٌ وطني ودستوري لا يجوز التنصل منه.

 

من “ساعة طابور” إلى تعديل الشخصية: مقترح تعليمي في مرمى التساؤلات

 

خلال اجتماع لجنة التعليم والبحث العلمي بمجلس الشيوخ، برئاسة النائب ناجح جلال، ناقشت اللجنة الاقتراح برغبة المقدم من النائب ناجي الشهابي بشأن تنظيم وتفعيل طابور الصباح في المدارس. الشهابي اعتبر الطابور “ركيزة أساسية في انتظام اليوم الدراسي وبناء شخصية الطالب”، وطالب بأن يُلتزم بمدة زمنية ثابتة تصل إلى ساعة كاملة، مع وضع ضوابط لإلزام الطلاب بالحضور، وتشديد الاهتمام بالإذاعة المدرسية.

 

ممثل وزارة التربية والتعليم حرص على تأكيد أن الوزارة لا تستهين بأهمية الطابور، مشيرًا إلى أن هناك بالفعل إجراءات لإحيائه بوصفه أداة لمعالجة بعض المشكلات السلوكية والانضباطية داخل المدارس.

لكنه في الوقت نفسه رسم حدودًا واضحة لما يمكن تطبيقه عمليًا؛ فاليوم الدراسي – كما قال – موزع على فترتين صباحية ومسائية، ومدّ الطابور إلى ساعة كاملة سيخلق إشكاليات كبيرة في إعداد الجداول الدراسية، ويؤدي إلى امتداد الفترة المسائية حتى السادسة أو السابعة مساءً، وهو توقيت وصفه بـ“الصعب جدًا” على التلاميذ خاصة في فصل الشتاء.

 

وأوضح ممثل الوزارة أن التوجه الرسمي هو إصدار نشرة تنظيمية مع بداية الفصل الدراسي الثاني تُعمم على المديريات التعليمية، تتضمن ضوابط وتوقيتات للطابور الصباحي بحيث تتراوح مدته بين ثلث ساعة ونصف ساعة كحد أقصى، مع اعتبار هذه الضوابط مُلزِمة لجميع المدارس.

كما أشار إلى وجود برامج موازية لمعالجة مشكلات أساسية مثل ضعف القراءة والكتابة لدى بعض الطلاب، في إشارة غير مباشرة إلى أن الأولويات التعليمية تتجاوز الشكل الإجرائي لطابور الصباح وحده.

 

من جانبه، شدد النائب ناجح جلال، وكيل اللجنة، على أهمية اختيار مديري مدارس كفؤين بوصفهم “العمود الفقري” للعملية التعليمية، وربط بين انضباط الطابور الصباحي والانضباط الإداري داخل المدرسة، مؤكدًا ضرورة تفعيل الإذاعة المدرسية بشكل يجعلها وسيلة للتوعية لا مجرد فقرة شكلية لملء الوقت.

وهكذا بدا أن مقترح الشهابي دفع النقاش إلى مساحة أوسع تتعلق بإدارة المدرسة وجودة التعليم، لكنه في الوقت نفسه أثار تساؤلات حول جدوى التركيز على ساعة كاملة للطابور في ظل كثافة الفصول وعجز المعلمين وتحديات أخرى أعمق.

 

تحت قبة الشيوخ: إنكار ثورة يناير و“25 يناير عيد شرطة فقط”

 

الجدل لم يتوقف عند حدود طابور الصباح؛ فالشهابي فجّر عاصفة سياسية داخل مجلس الشيوخ خلال الجلسة العامة، حين عقّب على تهنئة رئيس المجلس للشعب المصري بذكرى 25 يناير وعيد الشرطة قائلًا: إنه لا يعترف بـ25 يناير إلا عيدًا للشرطة فقط.

هذا التصريح جاء في مواجهة مباشرة مع الخطاب الرسمي لرئيس المجلس المستشار عصام فريد، الذي استعاد في كلمته ملحمة الإسماعيلية عام 1952، وحيّا تضحيات رجال الشرطة، ثم ربط في الوقت نفسه بين هذه الذكرى وبين ثورة 25 يناير بوصفها محطة وطنية سجّلها الدستور المصري.

 

الشهابي حاول لاحقًا، في مداخلة هاتفية مع برنامج “حضرة المواطن”، أن يضع مواقفه في سياق مختلف، مؤكدًا أن تصريحاته القديمة عن لجنة الخمسين والدستور كانت في إطار معارضته لحكم الإخوان والولايات المتحدة، وأنه كان ينتقد فكرة تقليد النظام الأمريكي في مدة الرئاسة.

كما شدد على أن حزبه يحتفل بعيد الشرطة سنويًا في 25 يناير، وأنه ركز في حديثه على تضحيات رجال الداخلية منذ 1952 ومواجهتهم للإرهاب والاحتلال، معتبرًا أن أحداث ثورة يناير جاءت في إطار “مخطط دولي” للفوضى الخلاقة بدعم من الإخوان.

 

بهذه الخلفية، بدا أن الشهابي يحاول فصل “عيد الشرطة” عن “الثورة”، وتثبيت رواية ترى في يناير 2011 مؤامرة خارجية أكثر منها انتفاضة شعبية ضد الاستبداد والفساد. غير أن هذا الطرح اصطدم بجدار نصّي واضح: الدستور المصري نفسه الذي يعترف بثورتي يناير ويونيو معًا، ويضعهما في قلب ديباجته كجزء من الشرعية السياسية الراهنة.

 

ردود برلمانية وسياسية: الدستور شاهد ويناير “وسام على الصدور”

 

التصريحات لم تمر مرور الكرام. ففي مواجهة موقف الشهابي، برزت أصوات داخل البرلمان وخارجه تدافع عن ثورة يناير وتذكّر بأن الخلاف السياسي لا يعني محو صفحة من التاريخ.

 

النائب باسم كامل، عضو مجلس الشيوخ وأمين عام حزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، وصف عدم الاعتراف بثورة يناير بأنه أمر “غريب”، لافتًا إلى أن الدستور المصري نفسه يعترف بثورة يناير إلى جانب ثورة يونيو، وأن الثورة – من وجهة نظره – واحدة من أعظم ما شهدته الدولة الحديثة، و“وسام على صدورنا شاء من شاء وأبى من أبى”. وأكد أنه كان من مؤسسي الثورة في بدايتها، وأنها تمثل لحظة فارقة منحت المصريين حقًا جديدًا في مساءلة السلطة، حتى لو اختلفت مسارات ما بعدها.

 

كامل حرص على التفريق بين “الاعتراض على الممارسات” و“رفض المؤسسات”، موضحًا أن انتقاد تجاوزات الشرطة في 2011 كان موجّهًا إلى الانتهاكات وأساليب التعذيب والمعاملة غير الإنسانية، وليس إلى مؤسسة الشرطة ذاتها كأحد أعمدة الدولة. وأعاد التأكيد على أن لا تقديس لأي مؤسسة، سواء الجيش أو الشرطة أو غيرهما، فكل مؤسسات الدولة يجب أن تخضع للمساءلة، وفي الوقت نفسه لا غنى عنها في بناء الوطن.

 

في المقابل، أشار نائب آخر هو باسل عادل إلى أن ما قاله الشهابي يخالف الدستور وديباجته، موضحًا أنه طلب الكلمة للتعقيب استنادًا إلى حقه عندما يرى مخالفة للائحة أو للدستور، لكنه لم يُمنح الفرصة، فعبّر عن استنكاره لانتهاك الدستور تحت قبة المجلس، مؤكدًا وجوب احترام النص الذي يعترف بثورتي يناير ويونيو معًا.

 

وفي ختام الجدل، بدا المشهد كاشفًا عن مفارقة لافتة: نائب يطالب ساعة كاملة لطابور الصباح لبناء شخصية الطالب والانضباط في المدارس، بينما يتبنى في الوقت ذاته موقفًا يتجاهل نصًا دستوريًا واضحًا حول واحدة من أهم المحطات الوطنية في تاريخ البلاد. وبين مدرسة تحتاج إلى إصلاح حقيقي، ودستور يحتاج إلى احترام فعلي، يبقى السؤال مفتوحًا: أي طابور نحتاج حقًا إلى تنظيمه أولًا؛ طابور الصباح المدرسي أم طابور الالتزام بالدستور تحت قبة البرلمان؟