تتعامل حكومة قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي مع مبادرة «حياة كريمة» بوصفها أيقونة النظام فى الريف، و”الملف الأول” الذى يحرص مصطفى مدبولي على ذكره فى كل اجتماع وتصريح.

لكن وراء سيل التصريحات عن “أضخم مشروع تنموي في التاريخ الحديث” تتكوّن صورة أخرى فى القرى: مشروعات تُعلَن قبل أن تكتمل، وأخرى تُسلَّم إنشائيًا دون تشغيل فعلي، وثالثة بلا صيانة أو كوادر، وسكان لا يعرفون كم أُنفِق، ولا لماذا تأخّر هذا المشروع أو تعطّل ذاك.

 

لا أحد ينكر أن ما يُنفَّذ على مستوى الحجم ضخم، لكن السؤال الحقيقى الذي يرفض الإعلام الرسمى طرحه هو: هل ما يحدث تنمية مستدامة تحترم عقل الناس واحتياجاتهم، أم سباق محموم لرفع أرقام “المشروعات المنتهية” فى بيانات الحكومة دون أن تنعكس جذريًا على نوعية الحياة فى الريف؟

 

أرقام قياسية على الورق… وخدمات متعثرة على الأرض

 

تفاخر الحكومة بأن المرحلة الأولى من «حياة كريمة» شملت تنفيذ حوالى 27 ألف مشروع فى 1477 قرية بـ20 محافظة، مع الإعلان عن “انتهاء” أكثر من 22 ألف مشروع.

هذه الأرقام – حتى لو سلمنا بدقتها – لا تقول للفلاح البسيط شيئًا عن جوهر القضية:

 

  • هل مياه الشرب تصل بنقاء وضغط ثابت؟
  • هل الصرف الصحى يعمل دون انسداد كل بضعة أسابيع؟
  • هل الطريق الجديد يتحمل أول مطر غزير، أم يتحول إلى حفر ومطبات؟

 

لغة التقارير الرسمية تختزل “المشروع” فى تاريخ بدء وتاريخ انتهاء، وتوقيع استلام، وصورة لافتة أمام مبنى أو محطة أو مدرسة.

لكن حياة الناس لا تُقاس بتاريخ الاستلام الابتدائى، بل بقدرة الخدمة على العمل يوميًا دون انقطاع، وبما إذا كانت قد حلت مشكلة حقيقية أم مجردت “معلَم” جديد يُلتقط أمامه الصور.

 

والأخطر أن الحكومة نفسها تعترف – من دون أن تقصد – بوجود فجوة؛ حين يتحدث رئيس الوزراء عن ضرورة “تسريع إجراءات الاستلام الفني والإداري” والتشديد على الالتزام بالمواصفات، فهذا يعنى أن جزءًا من المشروعات إمّا لم يُستلم بعد، أو استُلم شكليًا بينما التشغيل لا يزال ناقصًا أو هشًّا.

باختصار: “الاكتمال” فى لغة الحكومة لا يعنى بالضرورة أن الخدمة تعمل كما ينبغى.

 

«الجودة» ليست شعارًا فى بيان… بل منظومة رقابة وشفافية ومحاسبة

 

فى كل اجتماع حكومي تقريبًا تُردَّد عبارة “أعلى معايير الجودة”، ويحذر المسؤولون من “تحقيق معدلات إنجاز رقمية لا تنعكس على جودة الخدمات”. لكن ما يلمسه المواطن على الأرض هو العكس:

 

– مدرسة جديدة بلا عدد كافٍ من المدرسين.
– وحدة صحية مطوَّرة لكن بلا أطباء متخصصين أو أجهزة تعمل بانتظام.
– محطة مياه حديثة لكن ضغط المياه فى البيوت لا يزال ضعيفًا، أو مقطوعًا لساعات طويلة.

 

إذا كانت الحكومة جادة فعلًا فى الحديث عن الجودة، فلا يكفى تكرار العبارة فى البيانات، بل يجب نشر تقارير أداء مفصلة وعلنية، تتضمن مثلًا:

 

  • نسبة المشروعات التى دخلت الخدمة فعليًا مقارنة بعدد المشروعات “المنتهية إنشائيًا”.
  • معدلات الأعطال خلال أول ستة أشهر من التشغيل فى محطات المياه والصرف والكهرباء.
  • الجهة المسؤولة عن الصيانة والتمويل المستدام للخدمة، وهل لدى المحليات ميزانيات حقيقية لذلك أم تُترك المبانى لتتآكل؟
  • التكلفة النهائية لكل مشروع، وأى تعديلات طرأت على التعاقدات الأصلية، ولمصلحة من؟

 

من دون هذه الشفافية، تتحول “الجودة” إلى مجرد كلمة مُطمئِنة فى بيان رسمى، بينما الواقع يقول إن كثيرًا من المشروعات تعيش على “الترقيع”، وأن ثقافة المحاسبة غائبة: مقاول يسلّم عملًا أقل من المواصفات، أو مسؤول يضغط لإنهاء مشروع قبل موعد سياسى أو إعلامى، دون أن يدفع أحد ثمن رداءة التنفيذ.

 

مرحلة ثانية بلا جرد حساب: توسيع التجربة قبل الاعتراف بالأخطاء

 

تتحدث الحكومة الآن عن الانطلاق فى المرحلة الثانية من «حياة كريمة»، لتشمل نحو 1667 قرية بحوالى 14,500 مشروع جديد فى قطاعات التعليم والصحة والطرق ومياه الشرب والصرف وغيرها.

التوسع فى حد ذاته ليس مشكلة، بل قد يكون فرصة حقيقية لتحسين حياة ملايين آخرين فى الريف، لو كان مبنيًا على مراجعة صريحة لما حدث فى المرحلة الأولى.

 

لكن ما يجرى حتى الآن هو العكس:

 

  • سباق لافتتاحات متتالية دون كشف “قائمة العيوب” فى المشروعات الأولى.
  • ضغط سياسى وإعلامى لتسريع التنفيذ، ما يهدد بتكرار الأخطاء ذاتها: استعجال، ثم أعطال، ثم تكلفة إصلاح أعلى من تكلفة البناء الصحيح من البداية.
  • غياب صوت أهل القرى فى تحديد الأولويات؛ فمشروع ضخم للصرف الصحى قد لا يعنى شيئًا لقرية لا تملك أصلًا وحدة صحية قادرة على استقبال الحالات، أو لشباب لا يجدون فرصة عمل واحدة رغم كل ما يُنفق حولهم.

 

قبل ضخ مليارات جديدة فى مشروعات إضافية، كان المنطقى أن تنشر الحكومة تقريرًا مستقلًا وشجاعًا يجيب عن أسئلة بسيطة:

 

  • ما الذى نجح بالفعل فى المرحلة الأولى؟
  • ما الذى فشل أو تأخر؟ ولماذا؟
  • أى قرى استفادت بشكل ملموس، وأى قرى لا تزال الفجوة فيها كما هى تقريبًا؟

 

من دون هذه الوقفة، تبدو المرحلة الثانية أقرب إلى محاولة الهروب للأمام: المزيد من القرى، المزيد من المشروعات، المزيد من الأرقام، لكن من دون تصحيح لمسار إدارة الملف نفسه؛ ملف يُفضّل الصورة على الخدمة، والافتتاح على التشغيل طويل الأجل، والحديث عن “حياة كريمة” على مواجهة الأسباب التى تجعل حياة ملايين الريفيين بعيدة عن أى كرامة حقيقية.

 

فى النهاية، لا أحد يرفض تطوير الريف أو تحسين أوضاع القرى، لكن الناس لديها حق بسيط ومشروع: أن يروا ما يُعلَن على الشاشات يتحوّل إلى خدمات يومية تعمل بكفاءة، وأن تُعامل أموالهم – ضرائب وقروضًا – بأمانة وشفافية.

ما لم يحدث ذلك، ستظل «حياة كريمة» بالنسبة لكثيرين عنوانًا كبيرًا على لافتة حكومية، بينما تقف الحقيقة فى الشارع: طرق متهالكة، محطات بلا صيانة، وقرى ما زالت تنتظر أن تتحول الوعود إلى واقع يمكن العيش فيه لا التصفيق له.