لم يعد العقار في مصر «حصالة مضمونة» ولا استثمارًا يربح تلقائيًا لمجرد أن له بابًا وشرفة. السنوات الأخيرة كشفت أن قرارات الشراء غير المدروسة يمكن أن تحوّل الوحدة من أصل واعد إلى «أصل سام»؛ يجمّد السيولة، ويستنزف الدخل، ويصعب التخارج منه دون خسائر موجعة.

 

ارتفاع الأسعار بلا ضابط، وتضخم أقساط السداد، وتفاوت سمعة المطورين بين الجاد والمتلاعب، وقفزات سعرية لا تعكس طلبًا حقيقيًا بقدر ما تعكس حالة هلع واستثمار عشوائي؛ كلها عوامل جعلت الاستثمار العقاري اليوم يحتاج إلى «عقل بارد»، لا إلى شعارات من نوعية «العقار عمره ما يخسّر».

 

خبراء ومستثمرون عقاريون، من بينهم المهندس إيهاب عمر العضو المنتدب لشركة «قسطلي» للتمويل العقاري، وآية أشرف الرئيس التنفيذي لمنصة «عقار ماب مصر»، والخبير العقاري محمد علوي رئيس إحدى شركات التطوير والتسويق العقاري، والخبير العقاري أحمد عبد العزيز، يجمعون على أن السوق دخلت مرحلة حساسة: من لا يحسب خطواته جيدًا قد يعلق في وحدة لا تُباع ولا تُؤجَّر بالثمن الذي يحفظ رأس ماله.

 

سمعة المطوّر: خط الدفاع الأول ضد «مشاريع على الورق»

 

المدخل الأخطر لأي استثمار عقاري هو تجاهل سؤال بسيط: من هو المطوّر؟ وما تاريخه الحقيقي في التسليم والجودة؟

 

المهندس إيهاب عمر يؤكد في أكثر من مناسبة أن أول خطوة في أي استثمار عقاري جاد هي فحص الملاءة المالية للمطوّر وسجلّ مشروعاته التي تم تسليمها بالفعل، لا الاكتفاء بالماكيتات والإعلانات اللامعة. فمطوّر يعاني من أزمة سيولة أو تاريخ من التأخير في التسليم يعني ببساطة أن المستثمر يضع أمواله في مشروع عالي المخاطر، مهما كان الموقع أو «البراند» مغريًا.

 

على الجانب الآخر، يلفت الخبير العقاري أحمد عبد العزيز إلى أن جزءًا من حالة الركود الحالية في السوق يرجع إلى سلوك بعض المطورين الذين رفعوا الأسعار بشكل مبالغ فيه، متذرعين بتقلبات العملة وارتفاع تكاليف البناء، بينما الحقيقة أن التحوط الزائد والطمع في هوامش ربح غير واقعية صدم القوة الشرائية، وترك كثيرًا من الوحدات «راكدة» بلا مشترٍ حقيقي.

 

في ظل هذه المعطيات، يصبح التدقيق في سمعة المطور، ومراجعة مشروعاته المنفذة، وسؤال العملاء القدامى عنه، خطوة حاسمة لتجنب الوقوع في مشروع يتوقف في نصف الطريق، أو يُسوَّق بسعر لا يعكس قيمته الحقيقية، ثم يُترك المستثمر يواجه وحده أزمة إعادة البيع أو التعثر في الأقساط.

 

الموقع والمساحة ونهاية أسطورة «العقار لا يخسر»

 

لسنوات طويلة، كانت النصيحة الشعبية تقول: «اشتري في أي حتة… العقار عمره ما ينزل». اليوم، هذه الجملة تحوّلت – في نظر كثير من الخبراء – إلى وصفة مضمونة للخسارة.

 

آية أشرف، الرئيس التنفيذي لـ«عقار ماب مصر»، تشير في تحليلاتها لحركة السوق إلى أن الطلب الحقيقي لا يتوزع بالتساوي على كل المناطق والأنواع، بل يتركّز في وحدات سكنية متوسطة وصغيرة المساحة داخل مجتمعات ملائمة للعائلات أو للطلاب أو للسياحة، بينما الوحدات الكبيرة والفاخرة تعاني صعوبة أكبر في إعادة البيع أو التأجير بسرعة مقبولة. لذلك، فالمساحة اليوم ليست مجرد «وجاهة»، بل عامل حاسم في سيولة الأصل وقدرة المستثمر على التخارج عند الحاجة.

 

الموقع بدوره لم يعد مجرد اسم «كومباوند» أو مدينة جديدة، بل معادلة أكثر تعقيدًا:

 

  • هل توجد بنية تحتية حقيقية وخدمات قائمة بالفعل؟
  • ما حجم المعروض من نفس نوع الوحدة في المنطقة؟
  • هل الأسعار تعكس طلبًا فعليًا أم موجة مضاربة قصيرة؟

 

عندما يشتري المستثمر في منطقة دخلت بالفعل مرحلة «قمة الأسعار» دون نمو حقيقي في الدخول أو الطلب، فهو عمليًا يشتري عند أعلى نقطة، ويصبح أي تباطؤ في السوق كفيلًا بأن يعلّق وحدته لسنوات دون عائد مناسب. هنا تحديدًا يسقط شعار «العقار لا يخسر»، ويحضر الواقع: العقار يمكن أن يخسر، أو على الأقل يتجمّد رأسماله لسنوات طويلة.

 

السعر، السيولة، والانضباط المالي: كيف لا يتحوّل العقار إلى كابوس ديون؟

 

الخبير العقاري محمد علوي يشدّد على أن نقطة الدخول – أي سعر الشراء وتوقيت التعاقد – هي العامل الحاسم في أي صفقة ناجحة. فشراء وحدة بسعر مبالغ فيه، لمجرد الخوف من «طلعة جديدة في الأسعار»، أو الاندفاع وراء عروض تقسيط طويلة تبدو مريحة في ظاهرها، يمكن أن يحوّل الاستثمار إلى التزام خانق يلتهم أكثر من طاقة دخل الأسرة.

 

من منظور تمويلي، يوضح إيهاب عمر أن الكثير من المتعثرين لم يسقطوا بسبب سوء المشروع ذاته، بل بسبب سوء التخطيط المالي: الاكتفاء بتوفير «المقدم» وإهمال فكرة تأمين سيولة كافية لتغطية الأقساط حتى الاستلام. هنا يصبح أي اضطراب في الدخل، أو ارتفاع إضافي في تكاليف المعيشة، كفيلًا بدفع المستثمر إلى الحافة، بين التخلف عن السداد أو البيع بخسارة تحت الضغط.

 

في المقابل، توصي آية أشرف بمقارنة العائد الإيجاري المتوقع للعقار – في حالة الشراء بغرض التأجير – بعوائد البدائل الأخرى المتاحة مثل الشهادات البنكية أو أدوات الدخل الثابت، بدلًا من الاعتماد على «إحساس» بأن العقار أفضل دائمًا. فهناك مناطق ومشروعات يثبت فيها التحليل الرقمي أن العائد السنوي من الإيجار أقل بكثير مما يمكن تحقيقه من أدوات أقل مخاطرة، وهو ما يعني أن شراء العقار في هذه الحالة ليس استثمارًا، بل تجميدًا غير رشيد لرأس المال.

 

أخيرًا، يحذّر أحمد عبد العزيز من خطأين متكررين:

 

  • تحميل الدخل بأقساط تتجاوز 30% من الدخل الشهري، ما يحوّل حياة الأسرة إلى سباق دائم للحاق بالقسط.
  • الدخول في وحدات كبيرة المساحة أو فاخرة في سوق يعاني أصلًا من تخمة في هذا النوع، ما يضاعف صعوبة البيع عند الحاجة ويضغط على السعر نزولًا.

 

 الاستثمار العقاري في مصر لم يعد ملعب الهواة ولا مجالًا للشعارات القديمة. هو اليوم معركة وعي وتحليل وأرقام؛ من لا يختبر جدية المطور، ولا يقرأ حركة الأسعار، ولا يحسب قدرته على السداد بدقة، مهدد بأن يجد نفسه مالكًا لوحدة «جميلة على الورق» لكنها في الواقع أصل سام يلتهم حاضره المالي بدل أن يؤمّن مستقبله.