أصبحت حوادث الانتحار في مصر من الأخبار التي يتم تداولها بشكل شبه يومي، ويكاد يكون العامل المادي القاسم المشترك فيها، مع تدهور الأوضاع المادية لقطاع كبير من المصريين، وعجز كثير من الناس عن الإيفاء بالمتطلبات المعيشية الأساسية.
وكان آخرها إقدام سائق تاكسي على إنهاء حياته، بإلقاء نفسه من أعلى كوبري جامعة القاهرة في نهر النيل بسبب تعثره في زواج ابنته، وتراكم الديون عليه.
وهو حادث يتشابه في كثير من تفاصيله مع حوادث الانتحار في مصر التي تزايدت بشكل خاص خلال السنوات الأخيرة، ويتعلق بضيق الأحوال المعيشية، والمشاكل الأسرية الناجمة عن ذلك.
وفي حين لم يتم إصدار إحصاءات رسمية بأعداد حالات في مصر خلال عام 2025 حتى الآن، أصدرت المؤسسة العربية لدعم المجتمع المدني وحقوق الإنسان تقريرًا في أكتوبر الماضي، بمناسبة اليوم العالمي لمنع الانتحار رصدت فيه 322 حالة انتحار في مصر خلال الفترة من إبريل 2023 حتى مارس 2024، بمعدل 187 حالة انتحار في الفترة من إبريل إلى سبتمبر 2023، و135 حالة في الفترة من أكتوبر 2023 حتى مارس 2024.
وطبقًا للتقرير الذي يأتي استكمالا لتقارير المؤسسة التي تناولت تلك الظاهرة منذ عام 2019، فإن "الصورة تقترب من الواقع السيئ الذي تصل فيه حالات الانتحار إلى أكثر من 3 آلاف حالة خلال تلك الأعوام".
ومع ذلك، فإن هذا الرصد لا يمثل العدد الحقيقي لحالات الانتحار، والتي قد تصل إلى آلاف عدة سنوًيا، ويمكن رصدها من محاضر الشرطة ودفاتر وزارة الصحة، إذ اعتمدت تقارير المؤسسة على رصد التناول الصحفي لحالات الانتحار والتغطية الإعلامية عنها بالمواقع الصحافية المصرية والعربية فقط.
أسباب الانتحار
وعن أسباب الانتحار كما ورد في التقرير، جاءت الأزمة النفسية بشكل عام في الترتيب الأول بـ146 حالة، بنسبة 45.34 بالمائة، يليها الانتحار لأسباب ترجع إلى خلافات أسرية بـ45 حالة، بنسبة 13.97 بالمائة.
يليها في المركز الثالث الانتحار بسبب الاكتئاب والأمراض النفسية المختلفة بـ32 حالة انتحار، ثم الانتحار بسبب الخلافات الزوجية بـ31 حالة انتحار، بنسبة 9.01 بالمائة، تليها أسباب تتعلق بفسخ الخطوبة، أو بإجبار على الخطوبة أو رفض الزواج للمنتحر رجلا كان أم فتاة بـ17 حالة، بنسبة 5.27 بالمائة.
وفي الترتيب الخامس يأتي الانتحار لأسباب تزايد الديون والضائقة المالية بـ16 حالة، بنسبة 4.96 بالمائة، وفي الترتيب السادس الرسوب في الامتحان أو نيل درجات ضعيفة أو مخاوف نفسية من الامتحان بـ13 حالة، بنسبة 4.03 بالمائة، يليها الانتحار لأسباب خاصة بالخلافات في العمل أو الفشل في إيجاد عمل بأربع حالات، بنسبة 1.24 بالمائة.
يليها الانتحار بسبب وفاة قريب والإدمان على الخمر أو المخدرات وعدم القدرة عن الامتناع عن الإدمان بـ3 حالات لكل منها، بنسبة 0.93 بالمائة. تليها حالات انتحار حدثت بعد حالات قتل عائلي، ومنها قتل أم لأبنائها بحالتي انتحار، بنسبة 0.62 بالمائة.
مؤشرات الانتحار في مصر
وقد ذهب المدير التنفيذي للمؤسسة العربية شريف هلالي في تفسيره لأسباب تصاعد حالات الانتحار خلال فترة التقرير بأنه "يبدو احتجاجًا ضمنيًا على سوء الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية الحالية، بشكل خاص في ضوء ارتفاع أسباب التضخم وتزايد الضائقة المالية وتزايد الديون والفشل في الحصول على عمل وتزايد الاضطرابات والأزمات النفسية الناتجة عن ذلك.
ويلقي ذلك بالكرة في ملعب الحكومة، التي لا تتعامل بالجدية المطلوبة مع تزايد حالات الانتحار في مصر، والعمل على معالجة الأسباب المؤدية إليه، وفي مقدمتها تحسين الأوضاع المعيشية للمصريين، في ظل تآكل القيمة الشرائية للجنيه منذ الاستجابة لمطالب صندوق النقد بتحرير سعر الصرف، الأمر الذي كان له تداعيات سيئة على واقع المصريين، الذي يرضخ ما لا يقل عن ثلثهم تحت خط الفقر.
فلسان حال السواد الأعظم من المصريين، بات هو الشكوى الدائمة من سياسة الجباية التي تعمد إلى تنفيذها حكومة الانقلاب، ورفع الدعم عن كثير من السلع الخدمية، دون الأخذ في الاعتبار مدى ملائمة ذلك للظروف المعيشية للمصريين.
الفقر والانتحار
ويقول باحثون إن هناك صلة قوية بين الحرمان الاجتماعي والاقتصادي والسلوك الانتحاري؛ فالمناطق التي تعاني من حرمان اجتماعي واقتصادي أكبر تميل إلى تسجيل معدلات انتحار أعلى، وكلما زاد مستوى الحرمان الذي يعاني منه الفرد، زاد خطر إقدامه على الانتحار.
ويعاني الفقراء خصوصًا من انعدام الأمن وعدم اليقين بشكل دائم، وضعف الصحة النفسية، وانخفاض مستوى التعليم، والبطالة، والشعور بالوحدة، وهذه العوامل تُعدّ أيضًا من عوامل خطر الانتحار،
ويحدث ما يقرب من 3 أرباع (73 بالمائة) حالات الانتحار في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، حيث يعيش غالبية سكان العالم، وفقًا لتقرير أصدرته منظمة الصحة العالمية في العام الماضي.
وحذرت المنظمة أن الانتحار يُسبب 1 بالمائة من الوفيات حول العالم، مبدية أسفها لعدم كفاية التقدم المُحرز في مواجهة هذه الحالات التي تشكل أحد الأسباب الرئيسية للوفيات بين الشباب.
وقالت الرئيسة الحالية لقسم الصحة النفسية بمنظمة الصحة العالمية ديفورا كيستيل إن "الانتحار أودى بحياة ما يقرب من 727 ألف شخص في عام 2021 وحده".
وأشارت المنظمة إلى أن الانتحار يمثل أحد الأسباب الرئيسة للوفيات بين الشباب في مختلف البلدان والسياقات الاجتماعية والاقتصادية.

