بدلًا من أن تبحث الحكومة عن حلول جذرية لأزمة السكن وارتفاع الإيجارات، اختارت الطريق الأسهل: فرض ضريبة جديدة على الوحدات السكنية الخاصة التي يتجاوز إيجارها الشهري 175 دولارًا (نحو 8333 جنيهًا)، بزعم “توسيع القاعدة الضريبية” وتحقيق العدالة. إلا أن الواقع يقول إن هذا القرار يفتح جبهة جديدة على جيوب الطبقة المتوسطة، ويهدد بدفع الإيجارات إلى مستويات أعلى، في سوق يعاني أصلًا من انفلات الأسعار وغياب الرقابة. فبين نصوص قانونية مُحكَمة على الورق، وسوق فوضوية على الأرض، يتجدد السؤال: من سيدفع الفاتورة فعلًا… المالك أم المستأجر؟
قانون يصيب السكن الخاص في القلب
التعديل الجديد على قانون الضريبة على العقارات المبنية (قانون 196 لسنة 2008) ينص على فرض ضريبة سنوية بنسبة 10% من القيمة الإيجارية السنوية الصافية، بعد خصم 30% كمصروفات صيانة للسكنى، على كل وحدة سكنية خاصة يزيد إيجارها الشهري على 8333 جنيهًا، مع إعفاء السكن الرئيسي إذا لم تتجاوز قيمته الإيجارية السنوية 100 ألف جنيه.
هذا يعني ببساطة أن أي شقة بإيجار متوسّط في أحياء واسعة من القاهرة والجيزة والإسكندرية قد تدخل تحت المقصلة الضريبية؛ فالمتوسطات الحالية تشير إلى نحو 5 آلاف جنيه شهريًا في المناطق الشعبية، و10 آلاف في المتوسطة، وأكثر من 15 ألفًا في الأحياء المتميزة، ما يضع “ملايين الوحدات” في مرمى الضريبة الجديدة، وفق تقديرات صحفية اقتصادية.
الخبير القانوني المستشار محمود حمدي الديب، المحامي بالنقض، يلفت إلى أن مجلس الشيوخ رفع حد الإعفاء السنوي للسكن الخاص من 50 ألفًا إلى 100 ألف جنيه، بعد أن كانت الحكومة تقترح نصف هذا الرقم، مع منح مجلس الوزراء صلاحية زيادته لاحقًا وفق الظروف الاقتصادية. هذه التفاصيل تكشف اعترافًا ضمنيًا بأن تقديرات الحكومة لواقع السوق أقل بكثير من الأسعار الفعلية، وأن حتى الإعفاء الجديد قد يصبح “قديمًا” قبل أن يجف حبره، في ظل التضخم الجامح وانهيار القدرة الشرائية للجنيه.
الأخطر أن القانون يتعامل مع السكن الخاص – في حد معين من القيمة الإيجارية – كـ“وعاء ضريبي مريح”، دون تمييز حقيقي بين شقة أسرة متوسطة بالكاد تغطي إيجارها، وبين فيلا فاخرة أو وحدة استثمارية مغلقة أو شقة مفروشة بعوائد مرتفعة. هنا تتحول كلمة “العدالة الضريبية” إلى شعار فضفاض يجمّل قرارًا يطارد السكن الخاص بدل أن يحميه.
على الورق ضريبة تصاعدية.. في الواقع عبء إضافي على المستأجرين
رسميًا، تؤكد الحكومة أن الضريبة تستهدف “الوحدات ذات الإيجارات المرتفعة” وأنها لن تمس الشرائح الأضعف، باعتبار أن حد 8333 جنيهًا شهريًا يفوق قدرة معظم المستأجرين. لكن هذه القراءة تتجاهل حقيقة أخرى: في سوق غير منضبط، يستطيع المالك أن ينقل عبء الضريبة بالكامل إلى المستأجر، عبر زيادات تدريجية في الإيجار، خاصة في المناطق ذات الطلب المرتفع، حيث لا يملك المستأجر رفاهية التفاوض أو الانتقال.
قواعد الضريبة نفسها تشجع على ذلك بشكل غير مباشر؛ فهي مرتبطة بالقيمة الإيجارية التقديرية أو الفعلية، وليس بصافي ربح المالك بعد تكاليف التمويل والصيانة والضرائب الأخرى، ما يجعل الضريبة “عينية” تُفرض على العقار ذاته لا على قدرة المكلّف الفعلية على السداد.
الخبير القانوني والمحامي بالنقض سامي البوادي يذكّر – في تحليله لتعديلات سابقة على ضرائب التصرفات العقارية – بأن الهدف المعلن لأي إصلاح ضريبي يجب أن يكون “إرساء دعائم عدالة ضريبية تصاعدية، وتحقيق وفر ضريبي للشرائح الأقل دخلًا والمتوسطة وفوق المتوسطة، ومعالجة تشوهات المنظومة الحالية”. لكن ما يحدث الآن في سوق الإيجارات يذهب في الاتجاه المعاكس: ضريبة تُفرض على وحدات يسكنها غالبًا موظفون ومهنيون في قلب المدن، بينما تبقى شرائح واسعة من الثروة العقارية غير خاضعة فعليًا لأي عبء مماثل.
ميدانيًا، لا توجد حتى الآن آلية رقابية واضحة تمنع الملاك من تحميل الضريبة للمستأجرين؛ عقود الإيجار في أغلبها غير موثقة بشكل جدي، والسوق تحكمه قاعدة بسيطة: “اللي مش عاجبه يمشي”. ومع غياب سقوف عادلة للإيجارات، وعدم وجود دعم حقيقي للسكن، يصبح قرار الضريبة الجديدة بمثابة دفعة إضافية لسوق ملتهبة أصلًا، تفتح الباب لموجة جديدة من الزيادات قد لا تظهر كاملة في اليوم الأول، لكنها ستتسلل تدريجيًا عبر “زيادات سنوية طبيعية” أو اشتراطات جديدة في العقود.
ثغرات دستورية وتمييز سافر في الإعفاءات
جانب آخر لا يقل خطورة يتعلق بفلسفة الإعفاءات نفسها. التعديلات الجديدة لم تقترب من الامتيازات الممنوحة لأندية وفنادق القوات المسلحة، والمجمعات الطبية والعقارات المبنية داخل نطاقها، وغيرها من الوحدات التي تُستثنى بقرار من وزير الدفاع، ولا تخضع أصلًا لأعمال لجان الحصر والتقدير “لاعتبارات الأمن القومي”، كما تنص النصوص القائمة.
هذا النوع من الإعفاءات يكرّس مبدأين في غاية الخطورة: الأول، أن هناك جهات فوق المنظومة الضريبية، والثاني، أن العبء الحقيقي يُنقل إلى القطاع المدني والأفراد، بينما تبقى عقارات ضخمة ذات عوائد كبيرة خارج الحساب.
ليس غريبًا، في هذا السياق، أن يخرج الخبير القانوني المستشار علاء خضر ليصف قانون الضريبة العقارية بأنه “غير دستوري” في تصريحات منشورة، في إشارة إلى أن صياغة القانون الحالية تثير شبهات جدية حول مدى توافقه مع مبادئ المساواة وتكافؤ الأعباء العامة.
السوابق القضائية والتحليلات القانونية تشير إلى حساسية هذه المنطقة؛ فالخبير القانوني والمحامي بالنقض يحيى جاد الرب سعد سبق أن أثار، في سياق مناقشة ضريبة التصرفات العقارية، شبهة عدم الدستورية عندما تُفرض ضريبة على الأشخاص الطبيعيين دون الأشخاص الاعتباريين، بما يخلق تمييزًا غير مبرر بين فئات الخاضعين للضريبة. ومع أن حديثه كان عن نوع آخر من الضرائب العقارية، إلا أن المنطق نفسه ينطبق هنا: كيف يمكن إقناع مواطن يدفع ضريبة على شقته المؤجرة بأن القانون “عادل”، بينما تُعفى مؤسسات كاملة وعقارات ضخمة من نفس العبء تقريبًا؟
في ظل هذا الواقع، تبدو الضريبة الجديدة على السكن الخاص قرارًا يفتح الباب لنزاعات قضائية مستقبلية، مثلما يفتح الباب قبلها لأزمة اجتماعية في سوق الإسكان؛ حيث يُحمَّل المواطن مرة أخرى ثمن سياسات مالية تبحث عن أسهل وعاء لتحصيل الإيرادات، بدل أن تواجه جذور الأزمة: تضخم غير مسيطر عليه، وغياب سياسات إسكان اجتماعي فعّالة، واستمرار امتيازات ضريبية لمراكز القوة والنفوذ.
في النهاية، لا يمكن إنكار حاجة الدولة لإيرادات ضريبية عادلة، ولا حقها في تنظيم سوق العقار والإيجار. لكن العدالة هنا لا تتحقق عبر مطاردة شقة موظف في مدينة مزدحمة، بينما تُترك القصور المغلقة والوحدات الفاخرة المعفاة، ولا عبر ضريبة جديدة تُضاف إلى جبل الأعباء على المستأجرين في بلد يعيش معظم سكانه على حافة الفقر. ما تحتاجه مصر هو إصلاح ضريبي حقيقي يعيد توزيع العبء على قمة الهرم لا قاعدته، ويضع السكن في مكانه الطبيعي: حقًا إنسانيًا أساسيًا، لا مجرد “وعاء ضريبي” سهل.

