مع انطلاق موسم زراعة القمح، وجد الفلاحون أنفسهم في مواجهة أزمة جديدة تضاف إلى سجل أوجاعهم المزمن؛ ندرة في التقاوي المعتمدة بالمنافذ الرسمية، وارتفاع في الأسعار، وتمدد سوق سوداء لا تخضع لرقابة حقيقية، رغم إعلان حكومة الانقلاب “جاهزية الموسم”. تساؤلات حادة طفت على السطح: هل الأزمة في حجم إنتاج التقاوي فعلًا، أم في منظومة التوزيع؟ ولماذا لا تتناسب الكميات المطروحة مع المساحات المستهدفة، بينما يُترك الفلاح وحيدًا بين التقاوي والأسمدة والديون؟
كشف مزارعون أن التقاوي نفدت مبكرًا من الجمعيات الزراعية، دون فتح منافذ جديدة أو طرح بدائل واضحة، محذرين من فجوة خطيرة بين التخطيط على الورق واحتياجات الأرض الفعلية. وفي غياب الدولة، تمددت سوق موازية لتجارة التقاوي “على عينك يا تاجر”، تفتقر إلى أي معايير للجودة، وتهدد محصولًا استراتيجيًا تمثّل حبوبه قضية أمن غذائي لا تحتمل العبث.
تقاوي نادرة وأسعار مشتعلة.. الفلاح يدفع الفاتورة وحده
يروي عبده عبد الشافي، أحد مزارعي القمح بمحافظة قنا، أنه دخل الجمعية الزراعية مطمئنًا؛ باعتبار أن تقاوي الحكومة هي “الأضمن والأوفر”، لكنه فوجئ بسعر مرتفع قلب حساباته رأسًا على عقب، إذ تجاوزت تكلفة شراء التقاوي قدرته، لتضاف إلى قائمة طويلة من المصروفات تشمل السماد والري والعمالة. خرج عبده من الجمعية وهو يتساءل: من أين أدبر هذه المصاريف؟ خاصة أن التقاوي التي احتفظ بها من الموسم الماضي لم تعد صالحة بعد أن أُنهكت بفعل التخزين.
اضطر الرجل للجوء إلى ما يعرف بـ“تقاوي الكسر”، فطلب من أحد جيرانه 32 كيلو على سبيل السلفة، فوافق الأخير ومنحه الكمية بنصف الثمن تقريبًا؛ بينما كانت تُباع في الجمعية الزراعية بنحو 1100 جنيه، حصل عليها عبده من جاره مقابل نحو 450 جنيهًا فقط. المفارقة أن التقاوي الحكومية نفسها تظهر في السوق السوداء بأسعار أعلى، بعدما يحصل بعض المزارعين على التقاوي المدعومة ثم يعيدون بيعها لتحقيق ربح سريع، في حلقة عبث يدفع ثمنها المحصول والبلد معًا.
في الخلفية، تتزايد أعباء الفلاح بين تقاوي نادرة وأسمدة غالية، في ظل غياب دعم حقيقي أو سعر توريد يضمن له هامش ربح معقول؛ فيصبح القرار البديهي بزراعة القمح مغامرة مالية يحسب لها ألف حساب.
فجوة بين التخطيط وواقع الأرض.. أرقام رسمية لا تعكس الحقيقة
نقيب الفلاحين، حسين أبو صدام، شدد على ضرورة توزيع تقاوي القمح المعتمدة في توقيت مبكر، قبل بدء الموسم الرسمي، لتفادي التأخر عن مواعيد الزراعة الممتدة من نوفمبر حتى نهاية ديسمبر، مؤكدًا أن الالتزام بالتوقيتات الزراعية عامل حاسم في تحقيق إنتاجية مرتفعة. لكن ما حدث – كما يوضح – يرتبط بما سماه “فجوة تقديرية” بين المساحات المخطط لزراعتها، وبين العدد الفعلي للمزارعين الذين يتجهون للقمح كل موسم.
هذه الفجوة تظهر نتيجة غياب بيانات دقيقة ومحدّثة عن خريطة المحاصيل، فتُربك حسابات الإنتاج والتوزيع: في موسم تُنتج فيه الوزارة كميات تفوق الطلب الفعلي فتضطر لإعدام الفائض، وفي موسم آخر يتجاوز الإقبال الكميات المقدرة فتندلع شكاوى النقص في مناطق عدة.
أبو صدام أشار أيضًا إلى سلوك معوّق داخل المنظومة نفسها؛ فبعض المزارعين يلجأون إلى الجمعيات الزراعية للحصول على تقاوي القمح لا بغرض زراعته، بل فقط للاستفادة من حصة الأسمدة والمبيدات المقررة عليه، ثم يستخدمونها في محاصيل أخرى. هذا السلوك يشوّه البيانات المتعلقة بالمساحات المزروعة فعليًا، ويخلق فجوة بين الأرقام الرسمية والواقع على الأرض، بما ينعكس في النهاية على حجم الإنتاج الكلي، ويُضلّل أي محاولة لوضع سياسة جادة للقمح.
وحول جودة التقاوي، حذّر أبو صدام من الاعتماد المتكرر على “التقاوي المكسورة” لأكثر من موسم، مؤكدًا أن إعادة استخدامها لسنوات متتالية تؤدي إلى ضعف المحصول تدريجيًا، بما يؤثر سلبًا على متوسط الإنتاج العام. وشرح أن الجمعيات الزراعية توزع التقاوي في شكاير وزنها 30 كيلوجرامًا، بينما يحتاج الفدان في المتوسط إلى نحو 150 كيلوجرامًا ليحقق إنتاجًا يقارب 22 أردبًا للفدان في الظروف الطبيعية.
زراعة عشوائية وسماسرة يلتهمون العائد.. أين الرؤية الشاملة للقمح؟
الخبير الزراعي المهندس صباح بلال يضع الأزمة في إطار أوسع، مؤكدًا أن المنظومة الزراعية تحتاج إلى رؤية شاملة تتجاوز الحلول المؤقتة. فالزراعة العشوائية، أو غير الملائمة لطبيعة الأرض، تؤدي إلى خسائر فادحة في الإنتاج والجودة معًا، وتجعل أي تحسن في التقاوي أو السماد محدود الأثر.
بلال يشير إلى أن الحالة الاقتصادية لأي محصول تلعب دورًا حاسمًا في إنتاجه وجودته؛ فالفلاح غالبًا لا يشعر بالعائد الحقيقي بسبب وجود حلقة من الوسطاء و“السماسرة” بينه وبين التاجر أو المطحن، تستنزف هامش الربح وتُضعف الحافز على التوسع في زراعة القمح. صحيح أن تحديد سعر توريد القمح خطوة تشجع الفلاحين على زراعته وتوريده، لكنه يذكّر بأن ذلك لا يحل الإشكال الجوهري: ثبات المساحة المزروعة بالقمح تقريبًا، وعدم القدرة على زيادتها على حساب محاصيل أخرى دون الإضرار بالتوازن الزراعي.
وحول استخدام “تقاوي الكسر”، يوضح بلال أن المزارع قد يلجأ لإعادة زراعتها إذا كانت ذات جودة مناسبة وتلائم خصائص الأرض، لكنه يحذّر من تغيير نوع التقاوي دون مراعاة طبيعة التربة، لأن ذلك قد يقلل إنتاجية المحصول بشكل حاد.
ويذكّر بلال بأن مصر من أكبر دول العالم استيرادًا للقمح نتيجة الاعتماد الكبير على رغيف الخبز كغذاء أساسي، مؤكدًا أن الحل الجذري لا يكمن في إدارة موسم واحد أو سد فجوة التقاوي هذا العام، بل في استصلاح أراضٍ جديدة صالحة لزراعة القمح، والتوسع الأفقي في الرقعة الزراعية، بالتوازي مع التوسع الرأسي عبر تحسين التقاوي ورفع كفاءة الإنتاج.
بين القمح والفلاح والتقاوي والأسمدة، تتلخص أزمة أعمق من موسم، عنوانها غياب سياسة زراعية جادة للغذاء الاستراتيجي الأول في مصر؛ سياسة تعترف بأن رغيف الخبز يبدأ من حبة قمح في يد فلاح، لا من رقم في بيان حكومي أو مناقصة استيراد على ورق.

