شهدت فنادق الغردقة وشرم الشيخ خلال عام 2026 زيادة في أسعار الإقامة وصلت إلى نحو 10% في المتوسط، وفق تصريحات محمد فلا، عضو جمعية مستثمري السياحة بالبحر الأحمر، مع معدلات إشغال مرتفعة بلغت حوالي 85% في النصف الأول من يناير، وتوقعات بتراجع نسبي قبل أن تعود للارتفاع مع إجازات منتصف العام.
ورغم أن هذه الأرقام تبدو إيجابية للوهلة الأولى، فإن السؤال الجوهري يبقى: هل نحن أمام مؤشر على تعافٍ حقيقي ومستدام للقطاع السياحي المصري، أم مجرد موجة انتعاش موسمي مرتبطة بذروة الشتاء وعوامل ظرفية، سرعان ما تنحسر مع أول هزة في الطلب أو في الأوضاع الاقتصادية؟
طلب قوي وإيرادات أعلى… لكن لصالح من؟
يربط محمد فلا ارتفاع الأسعار بزيادة معدلات الطلب على المقاصد الشاطئية على البحر الأحمر، موضحًا أن أكثر من 80% من السياح الوافدين إلى مصر العام الماضي توجّهوا إلى هذه المدن، وأن الفنادق استفادت من هذا الزخم في تعزيز إيراداتها، خاصة مع ارتفاع نسب الإشغال وتنوع الأسواق المصدِّرة للسياح.
ويشير فلا إلى أن ألمانيا كانت الأكثر إرسالًا للسياح إلى الغردقة في النصف الأول من يناير، مع حجوزات “جيدة للغاية” من المصريين خلال إجازات منتصف العام، مدفوعة بعروض مخفضة موجهة للسوق المحلية.
هذه الصورة تعطي انطباعًا بوجود حركة سياحية نشطة، تستفيد من موسم الشتاء، ورحلات المدارس والجامعات، والإجازات القصيرة، ما يسمح للفنادق برفع أسعارها دون خسارة فورية في معدلات الإشغال.
لكن بقدر ما يعزز ذلك أرباح المنشآت الكبرى، يبقى السؤال: هل هذا النمط من الطلب كافٍ لبناء قطاع سياحي متماسك قادر على الصمود خارج المواسم، أم أنه يكرّس اعتمادًا مفرطًا على فترات الذروة فقط؟
انتعاش موسمي فوق أرض اقتصادية هشّة
يرى الدكتور أحمد الزيني، أستاذ السياحة والضيافة بجامعة الإسكندرية، أن رفع الأسعار في ذروة الموسم “سلوك متوقع” اقتصاديًا، لكنه لا يعني بالضرورة قوة بنيوية للقطاع السياحي. فالتحدي الحقيقي، برأيه، يكمن في قدرة الفنادق والمقاصد على الحفاظ على مستويات تشغيل معقولة عندما يتراجع الطلب، أو حين تتعرض الأسواق الخارجية لهزات بسبب الأوضاع الدولية أو ارتفاع تكاليف السفر.
ويحذّر الزيني من أن الزيادات المستمرة في الأسعار، في ظل أزمة اقتصادية خانقة تضرب القدرة الشرائية للأسر المصرية، قد تجعل السياحة الداخلية هي الحلقة الأضعف؛ إذ يضطر كثير من المصريين إلى استبدال الإجازات الشاطئية بخيارات أقل تكلفة، أو التخلي عنها بالكامل، ما يضرب أحد مصادر ملء الفجوات خارج الموسم الأجنبي.
وفق هذا المنظور، فإن جزءًا من الانتعاش الحالي قد يكون “هشًا”: تستفيد منه الفنادق الكبرى في فترات محددة، لكنه لا يبني قاعدة صلبة ولا يضمن استدامة الطلب، خاصة إذا لم يصاحبه تطوير في جودة الخدمات، وتنوع في المنتجات السياحية، وسياسات تسعير مرنة تستوعب تغيرات السوق.
أرقام ضخمة على الورق… وعوائد غير متوازنة على الأرض
تعلن وزارة السياحة والآثار أرقامًا قياسية عن عدد السائحين الوافدين، تجاوزت 15.5 مليون سائح في 2025، مع تحسن في متوسط الإشغال الفندقي، لكن المراقبين يشيرون إلى أن هذه المؤشرات لا تكفي وحدها لتقييم صحة القطاع.
السيد أحمد جودة، المحلل الاقتصادي المتخصص في السياحة، يلفت إلى أن التركيز على “رقم واحد كبير” لعدد الوافدين قد يكون مضللًا؛ إذ لا يميز بين سائح ترفيهي يقيم أسبوعًا كاملًا وينفق بسخاء، وزائر عابر قصير الإقامة، أو وافد لأغراض دينية أو تجارية لا يضخ نفس المستوى من الإنفاق في الاقتصاد المحلي.
إلى جانب ذلك، لا تعني زيادة أسعار فنادق الغردقة وشرم الشيخ بالضرورة تحسنًا عامًا في كل مكونات القطاع؛ فالكثير من المشروعات الصغيرة والمتوسطة – من مطاعم ووسائل نقل وأنشطة ترفيهية – قد لا تستفيد بنفس الدرجة من قفزة الأسعار في الفنادق الكبرى، بل قد تتأثر سلبًا إذا دفعت الأسعار المرتفعة بعض الشرائح إلى تقليص مدة الإقامة أو خفض الإنفاق على باقي الخدمات.
في النهاية، يظهر أن ارتفاع الأسعار في حد ذاته ليس مؤشرًا كافيًا على تعافٍ حقيقي. الانتعاش المستدام يحتاج إلى مزيج متوازن من: سياسات تسعير عقلانية، وتوزيع أفضل لعوائد السياحة، وحماية للسوق المحلية من الإقصاء، مع تطوير جدي في البنية التحتية والخدمات، حتى لا تبقى السياحة المصرية رهينة لمواسم قصيرة وأرقام كبيرة على الورق، تعجز عن ترجمتها إلى تحسن ملموس في حياة العاملين بالقطاع والمجتمعات المحيطة به.

