في واقعة خطيرة تحمل دلالات سياسية وأمنية عميقة، كشفت وسائل إعلام إسرائيلية عن قيام زوارق تابعة للبحرية الإسرائيلية بإطلاق نيران تحذيرية باتجاه سفينة أمنية مصرية قبالة سواحل سيناء، بزعم دخولها منطقة بحرية يفرض الاحتلال حصارًا عليها قبالة قطاع غزة.

 

الحادثة، التي وقعت دون أي رد سيادي مصري معلن، أعادت إلى الواجهة أسئلة قديمة متجددة حول طبيعة العلاقة الأمنية بين القاهرة وتل أبيب، وحدود السيادة المصرية في ظل حكم قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي، خاصة مع تكرار وقائع الانتهاك الإسرائيلي داخل العمق المصري، وغياب ردود فعل تتناسب مع خطورتها.

 

إطلاق النار ورسالة القوة في البحر

 

بحسب ما كشفته القناة 13 الإسرائيلية، أطلقت زوارق من سلاح البحرية الإسرائيلي نيرانًا تحذيرية على سفينة مصرية بدعوى اقترابها من منطقة بحرية محظورة يفرض الاحتلال حصارًا عليها. الرواية الإسرائيلية قالت إن السفينة انطلقت من سواحل سيناء، وإن التدخل جاء من قاعدة أسدود البحرية، قبل أن تُجبر السفينة على الاستدارة والعودة إلى المياه الإقليمية المصرية.

 

الأخطر في البيان الإسرائيلي ليس فقط الاعتداء نفسه، بل اللغة المستخدمة، إذ أشار إلى أن الجانب المصري «تحمّل المسؤولية وأبدى أسفه»، في صيغة تُظهر المعتدي بوصفه صاحب الحق، والمعتدى عليه كطرف يعتذر. هذا المشهد، كما يراه مراقبون، يعكس اختلالًا واضحًا في ميزان السيادة، ويطرح تساؤلًا مباشرًا: كيف يمكن لقوة أجنبية أن تطلق النار على سفينة تابعة لدولة ذات سيادة، ثم تُنهي الواقعة باعتذار من الطرف المصري؟

 

غياب أي بيان رسمي مصري واضح، يرفض الاعتداء أو يطالب بتفسير أو تحقيق، زاد من حدة الانتقادات، وفتح الباب أمام اتهامات بأن القاهرة تتعامل مع مثل هذه الوقائع باعتبارها «أمورًا روتينية» في إطار التنسيق الأمني، لا انتهاكات تستوجب موقفًا سياديًا.

 

سجل طويل من الانتهاكات بلا محاسبة

 

حادثة السفينة ليست معزولة عن سياق أوسع من العربدة الإسرائيلية في سيناء خلال السنوات الماضية. فقد شهدت المنطقة سلسلة من الوقائع التي جرت، بحسب تقارير متعددة، بعلم أو صمت رسمي مصري. من أبرزها مقتل الجندي المصري محمد صلاح برصاص قوات الاحتلال على الحدود عام 2023، وهي واقعة تعاملت معها إسرائيل كحادث أمني عابر، بينما قوبلت داخليًا بتكتم شديد وتضييق على أي رواية وطنية مستقلة.

 

إلى جانب ذلك، نفذت إسرائيل غارات جوية متكررة داخل سيناء، بذريعة ملاحقة جماعات مسلحة، في عمليات قيل إنها تمت بتنسيق كامل مع القاهرة، في خرق واضح لمفهوم السيادة التقليدي. كما حلّقت طائرات مسيّرة إسرائيلية في الأجواء المصرية أكثر من مرة، دون إعلان رسمي أو محاسبة معلنة.

 

وتفاقمت هذه الانتهاكات بعد أحداث 7 أكتوبر، مع إعادة انتشار القوات الإسرائيلية على حدود سيناء، وفرض وقائع أمنية جديدة، في وقت اكتفت فيه القاهرة بإشارات دبلوماسية عامة، دون اعتراض علني يعكس رفضًا لتغيير قواعد الاشتباك أو الترتيبات الأمنية القائمة.

 

التنسيق الأمني وحدود السيادة

 

المدافعون عن الموقف الرسمي يرون أن ما يجري يندرج ضمن ترتيبات أمنية معقدة فرضتها اتفاقيات السلام، وأن التنسيق الأمني هدفه منع التصعيد وضمان الاستقرار في منطقة شديدة الحساسية. لكن منتقدي هذا الطرح يشيرون إلى أن التنسيق لا يعني التفريط، وأن أي علاقة متوازنة يجب أن تحفظ الحد الأدنى من الكرامة الوطنية، وألا تسمح بإطلاق النار على سفن أو جنود دون رد.

 

يرى محللون أن المشكلة لا تكمن فقط في حادثة بعينها، بل في النمط المتكرر: إسرائيل تفرض أمرًا واقعًا بالقوة، ثم تُغلق الواقعة بتصريح أو تسريب إعلامي، بينما تلتزم القاهرة الصمت أو تصدر بيانات عامة لا تتضمن إدانة صريحة. هذا النمط، وفق هؤلاء، يرسّخ صورة تبعية أمنية، ويشجع على مزيد من الانتهاكات.

 

السياسة والارتهان: ثمن الدعم الخارجي

 

لا يمكن فصل هذا المشهد عن البعد السياسي الأوسع. فقد لعبت إسرائيل دورًا محوريًا في دعم النظام المصري الحالي منذ انقلاب 3 يوليو، وكانت من أبرز المدافعين عن السيسي في العواصم الغربية، باعتباره «شريكًا في الاستقرار» وركيزة للتنسيق الأمني الإقليمي. هذا الدعم، بحسب معارضين، تحوّل إلى قيد سياسي، جعل النظام أقل قدرة على اتخاذ مواقف حازمة حين تُنتهك السيادة أو يُقتل جنود مصريون.

 

في هذا السياق، يرى معارضون أن بقاء النظام بات مرتبطًا برضا شركائه الخارجيين، وعلى رأسهم إسرائيل، وهو ما يفسر تجنب الصدام أو حتى الاعتراض العلني. وهكذا تتحول قضايا كبرى، مثل إطلاق النار على سفينة مصرية أو مقتل جنود، إلى «تفاصيل» في معادلة أكبر عنوانها الحفاظ على التحالفات، ولو على حساب الكرامة الوطنية.

 

وفي النهاية فحادثة إطلاق النار على سفينة أمنية مصرية قبالة سواحل سيناء ليست مجرد واقعة بحرية عابرة، بل حلقة جديدة في سلسلة اختبارات السيادة المصرية في ظل حكم قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي. بين رواية إسرائيلية واعتذار مصري صامت، تتكرس صورة علاقة غير متكافئة، يدفع ثمنها الجنود والسيادة معًا. ومع غياب المحاسبة أو الردع، يبقى السؤال مفتوحًا: إلى أي مدى يمكن أن يستمر هذا النمط دون أن يترك أثرًا عميقًا على مفهوم الدولة وحدودها وكرامتها الوطنية؟