عاد ملف أسعار الدواجن إلى صدارة النقاش العام بعد تصريحات علاء فاروق بشأن استعداد الدولة لفتح باب الاستيراد في حال حدوث ارتفاعات سعرية غير مبررة.

 

التصريحات، التي قُدّمت باعتبارها خطوة لحماية المستهلك، فجّرت في المقابل موجة اعتراض واسعة من منتجي الدواجن، الذين رأوا فيها تهديدًا مباشرًا لصناعة محلية تعاني أصلًا من ضغوط كبيرة.

 

وبين خطاب حكومي يتحدث عن ضبط السوق، وصناعة تشكو من غياب الاستقرار، تتكشف أزمة أعمق تتعلق بإدارة الدولة للقطاع الزراعي والغذائي بمنطق رد الفعل لا التخطيط.

 

الاستيراد كأداة ضغط… حل سريع أم تهديد للصناعة؟

 

يرى وزير الزراعة أن الاستيراد أداة مشروعة لضبط السوق، ورسالة طمأنة للمستهلك بأن الدولة لن تسمح بانفلات الأسعار.

هذا الطرح يعكس عقلية حكومية اعتادت التدخل عبر الحلول الأسهل والأسرع، دون اعتبار كافٍ للآثار الجانبية بعيدة المدى.

 

ففتح باب الاستيراد، حتى لو كان مشروطًا، يبعث بإشارة سلبية إلى المنتجين المحليين، مفادها أن الدولة مستعدة للتخلي عنهم عند أول اضطراب.

هذه الإشارة لا تضبط السوق بقدر ما تُربكه، لأنها تزرع الخوف وعدم اليقين لدى المربين، وتدفع بعضهم إلى تقليص الإنتاج أو الخروج من السوق، ما قد يؤدي لاحقًا إلى نقص حقيقي وارتفاع أكبر في الأسعار.

 

المفارقة أن الحكومة تتحدث عن حماية المستهلك، بينما سياساتها نفسها تسهم في إضعاف سلاسل الإنتاج المحلية، وهو ما ينعكس في النهاية على المستهلك بارتفاعات أشد وعدم استقرار دائم.

 

منتجو الدواجن… أزمة ثقة لا أزمة إنتاج

 

على الجانب الآخر، يؤكد اتحاد منتجي الدواجن أن السوق لا يعاني نقصًا في المعروض، وأن ما حدث من ارتفاعات كان محدودًا ومرتبطًا بعوامل موسمية وزيادة الطلب.

ويشير ثروت الزيني إلى أن الأسعار بدأت بالفعل في التراجع، محذرًا من أن التلويح المستمر بالاستيراد يقوّض الثقة ويهدد استمرارية المربين، خصوصًا الصغار منهم.

 

هذا الخلاف يكشف فجوة ثقة واضحة بين الدولة والمنتجين. فبدلًا من الحوار الجاد ووضع سياسات مستقرة، تلجأ الحكومة إلى الخطاب الإعلامي والقرارات المفاجئة.

النتيجة أن المنتج يشعر بأنه متهم دائمًا بالتلاعب، بينما يتجاهل الخطاب الرسمي الأعباء الحقيقية التي يتحملها، من تقلبات التكلفة إلى غياب الدعم الفعلي.

 

في ظل هذه الأجواء، تصبح الصناعة الوطنية الحلقة الأضعف، وتتحول من شريك في تحقيق الأمن الغذائي إلى طرف قلق يدافع عن بقائه.

 

جذور الأزمة… الأعلاف والعملة وغياب الرؤية

 

يشدد أحمد نبيل على أن المنتج المحلي لا يملك رفاهية التحكم في الأسعار، لأن الجزء الأكبر من التكلفة مرتبط بمدخلات إنتاج مستوردة، في مقدمتها الأعلاف، إضافة إلى تقلبات سعر العملة وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل.

 

هذه العوامل تكشف أن الأزمة ليست في الدواجن ذاتها، بل في نموذج اقتصادي هش يعتمد على الاستيراد في مفاصل أساسية، دون استراتيجية واضحة لتوطين المدخلات أو دعم الإنتاج المحلي.

ومع ذلك، تتعامل الحكومة مع النتائج لا الأسباب، فتلوّح بالاستيراد بدل معالجة أصل المشكلة.

 

خبراء الاقتصاد الزراعي يحذرون من أن هذا النهج قصير النظر.

فالاستيراد قد يهدئ الأسعار مؤقتًا، لكنه يعمّق التبعية للخارج ويضعف الصناعة الوطنية.

بينما الحل الحقيقي يكمن في سياسات مستقرة لدعم الأعلاف المحلية، وتوفير تمويل ميسر، وضمان بيئة تشريعية واضحة تشجع المربين على الاستمرار والتوسع.

 

وفي النهاية يعكس الجدل حول استيراد الدواجن خللًا أوسع في إدارة الدولة للأسواق الحيوية.

فبدل بناء شراكة حقيقية مع المنتجين، تعتمد الحكومة على قرارات فوقية ورسائل ضغط سريعة، تفتقر إلى الرؤية والاستدامة.

حماية المستهلك لا تتحقق بإضعاف المنتج المحلي، بل بدعمه وتمكينه من الإنتاج بكلفة عادلة واستقرار طويل الأمد.

 

وما لم تتخلَّ الدولة عن سياسة المسكنات المؤقتة، وتنتقل إلى معالجة جذور الأزمة، سيظل سوق الدواجن عرضة للتقلب، وسيظل المنتج والمستهلك معًا يدفعان ثمن سياسات مرتبكة، تُدار بالأدوات الأسهل لا بالأكثر جدوى.