لم يعد الجدل الذي يثيره الإعلامي والكاتب الصحفي إبراهيم عيسى مقتصرًا على حدود النقاش الفكري أو الاختلاف في الرأي، بل تحوّل إلى نموذج صارخ لكيفية تلاقي خطاب «التنوير الاستفزازي» مع سياسات حكومة الانقلاب في إدارة المجال العام.
فبينما يقدّم عيسى نفسه ناقدًا لتديين الدولة ومدافعًا عن المواطنة، تكشف ممارساته وخطابه عن دور إشكالي في تعميق الاستقطاب المجتمعي، وتوفير غطاء ثقافي لسلطة تُحكم قبضتها على السياسة وتستخدم الجدل الديني كأداة تشتيت.
خطاب إبراهيم عيسى… نقد انتقائي وصدام محسوب
يطرح إبراهيم عيسى أفكاره بلغة حادّة تستفز قطاعات واسعة من المجتمع، لا باعتبار الاستفزاز وسيلة لكشف المسكوت عنه، بل كآلية دائمة لصناعة الجدل.
فحديثه عن تاريخ الأقباط في الحكم وانتقاد «تديين الدولة» لا يُقدَّم في إطار بحث تاريخي رصين أو نقاش علمي متوازن، بل في قالب إعلامي تصادمي يُبسط القضايا المعقّدة ويختزلها في ثنائيات حادّة: دولة دينية مقابل دولة مدنية، تنوير مقابل ظلامية.
هذا الأسلوب لا يخدم النقاش العام، بل يُفرغه من مضمونه، ويحوّل القضايا الوطنية الحساسة إلى مادة للاستقطاب، بما يضعف أي فرصة لبناء توافق مجتمعي حقيقي حول مفهوم المواطنة أو إدارة التنوع الديني.
«تنوير» بلا مجتمع… ودور في تشويه حرية التعبير
المفارقة أن عيسى، الذي يرفع راية حرية الرأي، يمارس خطابًا يُسيء لهذه الحرية نفسها.
فحرية التعبير لا تعني الاستخفاف بالمقدسات أو السخرية الضمنية من عقائد الأغلبية، ولا تعني تجاهل السياق الاجتماعي والسياسي الذي تُقال فيه الكلمات.
بدلًا من توسيع أفق النقاش، يقدّم عيسى نموذجًا لـ«التنوير الفردي المتعالي»، الذي يرى المجتمع كتلة متخلّفة تحتاج إلى الصدمة الدائمة، لا إلى الحوار.
وبهذا، يسهم في تشويه مفهوم التنوير ذاته، وتحويله من مشروع نقدي تحرري إلى أداة استفزاز إعلامي، تُستخدم لإقصاء المختلفين أخلاقيًا وثقافيًا بدل محاورتهم.
حكومة الانقلاب… توظيف الجدل وصناعة الإلهاء
لا يمكن فصل حضور إبراهيم عيسى الطاغي عن سياسات حكومة الانقلاب، التي سمحت له ولغيره من الأصوات المثيرة للجدل بالانتشار، في وقت أغلغت فيه المجال السياسي، وضيّقت على الصحافة المستقلة، وسجنت المعارضين.
هذا التناقض يفضح حقيقة المشهد: السلطة لا تدافع عن حرية التعبير، بل تنتقيها.
فالخطاب الذي يُربك المجتمع ويُشعل صراعات ثقافية يُترك ويتم الترويج له، لأنه يصرف الانتباه عن الفشل الاقتصادي، وتدهور الخدمات، وانسداد الأفق السياسي.
وفي المقابل، يُقمع أي خطاب يطالب بالمحاسبة أو يربط الأزمات ببنية الحكم العسكري.
بهذا المعنى، يصبح عيسى -سواء قصد أم لم يقصد- جزءًا من معادلة السلطة، يوفّر مادة جدلية تُستخدم لإدارة الغضب الشعبي، دون أن تمس جوهر المشكلة: غياب الديمقراطية والعدالة.
وأخيرا المسألة إذن لا تتعلق بحرية رأي شخص واحد، بل بنمط كامل من الخطاب والسياسات.
إبراهيم عيسى يتحمّل مسؤولية أخلاقية وفكرية عن تقديم «تنوير» مشوّه، قائم على الصدام لا الفهم، وعلى الاستعلاء لا الحوار.
وفي الوقت نفسه، تتحمّل حكومة الانقلاب المسؤولية الأكبر، لأنها ترعى هذا الخطاب وتوظّفه، بينما تخنق السياسة وتُجرّم المعارضة.
وبين إعلامي يختزل المجتمع في صورة نمطية، وسلطة تستخدم الجدل الثقافي كستار، يظل الخاسر الأكبر هو المجتمع المصري، الذي يُحرم من نقاش حر حقيقي، ومن دولة تحترم الدين دون توظيفه، وتحمي حرية التعبير دون انتقاء، وتبني المواطنة بالفعل لا بالشعارات.

