أطلق أستاذ العلوم السياسية د. مأمون فندي تعليقًا لافتًا اختصر به مأزق النظام العربي الراهن، حين قال: «سخرية القدر.. لم تقطع الدول العربية علاقاتها مع إسرائيل في زمن الإبادة، لكنها تتجه في قادم الأيام إلى قطع علاقاتها مع بعضها البعض».

 

العبارة، على قِصرها، تحمل دلالات سياسية عميقة، وتفتح بابًا واسعًا لنقاشٍ حول أولويات السياسة العربية، وحدود التضامن، وكيف تحولت الخلافات البينية إلى مسارٍ موازٍ – وربما بديل – عن أي موقف جماعي تجاه القضايا الكبرى في الإقليم.

 

مفارقة التطبيع والصمت في زمن الكوارث

 

يشير فندي إلى تناقض صارخ بين ما يحدث على الأرض من أزمات إنسانية كبرى، وبين ردود الفعل السياسية العربية.

ففي الوقت الذي تشهد فيه المنطقة مشاهد دمار وقتل واسعة، لم تُقدِم غالبية الدول العربية على اتخاذ خطوات دبلوماسية حاسمة، مثل قطع العلاقات أو حتى تجميدها، مكتفية ببيانات إدانة أو مواقف لفظية لا تتجاوز السقف المعتاد.

 

هذا الصمت النسبي يعكس تحوّلًا في مفهوم «المصلحة الوطنية» لدى كثير من الأنظمة العربية، حيث باتت العلاقات الدولية تُدار بمنطق الحسابات الضيقة، لا بمنطق القيم أو التضامن القومي.

فالتطبيع، أو استمرار العلاقات، لم يعد استثناءً يحتاج إلى تبرير، بل أصبح سياسة قائمة بذاتها، تُقدَّم باعتبارها خيارًا واقعيًا، حتى في أكثر اللحظات حساسية أخلاقيًا وإنسانيًا.

 

في هذا السياق، تأتي عبارة «زمن الإبادة» التي استخدمها فندي لتُبرز حجم الهوة بين الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن دعم القضايا العربية، والواقع العملي الذي

يتجنب أي كلفة سياسية حقيقية.

 

القطيعة العربية–العربية… صراعات بلا نهاية

 

في مقابل هذا التردد تجاه الخارج، تبدو العلاقات العربية–العربية أكثر هشاشة من أي وقت مضى. أزمات دبلوماسية، سحب سفراء، تجميد تعاون، وحروب إعلامية لا تهدأ.

دول تتخاصم، ومحاور تتشكل، وتحالفات تُبنى على حساب أخرى، في مشهد يعكس تفككًا متزايدًا داخل الإقليم.

 

ما يلفت في تعليق فندي هو توصيفه للمسار المستقبلي: «تتجه في قادم الأيام إلى قطع علاقاتها مع بعضها البعض». هذا ليس توصيفًا لما هو قائم فقط، بل تحذير من منحدر مستمر.

فبدل أن تكون الخلافات العربية قابلة للاحتواء ضمن أطر سياسية أو إقليمية، تحولت إلى قطيعة مفتوحة، تُدار أحيانًا بمنطق الانتقام أو كسر الإرادة.

 

هذه القطيعة لا تقتصر آثارها على السياسة، بل تمتد إلى الاقتصاد، والأمن، وحتى النسيج الاجتماعي العربي، حيث تتغذى على خطاب الكراهية والتخوين، وتُعمّق الفجوة بين الشعوب قبل الأنظمة.

 

غياب المشروع العربي المشترك

 

في العمق، يسلّط تعليق مأمون فندي الضوء على أزمة أوسع: غياب مشروع عربي جامع. فالدول العربية، منذ سنوات، تتحرك دون بوصلة مشتركة، ودون رؤية موحدة لماهية الخطر، أو لمن هو الحليف، أو حتى لما تعنيه «المصلحة العربية».

 

حين تغيب هذه الرؤية، يصبح من السهل تبرير أي موقف، مهما بدا متناقضًا. يمكن لدولة أن تبرر استمرار علاقاتها مع قوة خارجية مثيرة للجدل بدعوى الواقعية، وفي الوقت نفسه تُصعّد ضد دولة عربية شقيقة بدعوى حماية السيادة أو الأمن القومي.

النتيجة هي مشهد سياسي مفتت، تتحرك فيه كل دولة بمفردها، بينما تتراجع فكرة العمل العربي المشترك إلى مجرد شعار يُستدعى في المناسبات.

 

كلام فندي لا يقدّم حلولًا بقدر ما يضع مرآة أمام الواقع. مرآة تُظهر أن المشكلة ليست في حدث بعينه، بل في مسار طويل من القرارات التي جعلت التضامن استثناءً، والخلاف قاعدة، والقطيعة أداة سياسية عادية.

 

وفي النهاية فإن تعليق مأمون فندي، رغم بساطته، يعكس تشخيصًا قاسيًا لحال العلاقات العربية اليوم.

مفارقة أن تستمر العلاقات مع الخارج في أحلك اللحظات، بينما تتفكك الروابط بين الأشقاء، ليست مجرد سخرية قدر، بل نتيجة خيارات سياسية متراكمة.

وفي غياب مراجعة جادة لهذه الخيارات، قد يصبح ما حذّر منه فندي واقعًا كامل الأركان، لا مجرد عبارة لافتة في نقاش عام.