صراعات طويلة سبقت قرار إلغاء معرض "لومارشيه" الدولي للأثاث، الذي تنظّمه المجموعة العربية الأفريقية للمؤتمرات الدولية "أبيك"، برعاية وكالة رجل الأعمال طارق نور، فبعد عملية شدٍّ وجذب، وصدور قرارات وقرارات مضادة، أثيرت أسئلة عديدة بعد صدور هذا القرار، حول خلفية هذا الإلغاء والأطراف التي تقف وراءه وما الهدف منه.

"لو مارشيه" هو معرض دولي للأثاث والديكور، يُنظَّم منذ سنة 1979، ويعتبر أكبر معرض للأثاث في مصر، ونافذة مهمّة للصناعة المحلية المفتوحة على العالم،  ويعتبر مقصدًا للشباب المقبل على الزواج في مصر، سعيًا إلى تأثيث بيوتهم مستغلّين الأسعار التنافسية التي تعرضها هذه المؤسّسات.

القصّة بدأت منذ أسبوع عندما تسرّبت أخبار غير رسمية، مفادها أن هناك قرارًا أمنيًا بإلغاء المعرض. رجل الأعمال "النافذ" طارق نور، استخدم علاقاته من أجل إقامة هذا المعرض؛ حيث اتصّل بمسؤولين وقابل وزير الداخلية، ووجه المشاركين في المعرض بإرسال استغاثة إلى قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي لإنقاذ صناعة الأثاث.

توّجت مساعي نور بالموافقة على إقامة المعرض، بعد أن تدخل السيسي ووزير التجارة والصناعة ووزير الداخلية، بحسب قول المستشار الفنّي لشركة "أبيك"، مصطفى إسماعيل. كان هذا مساء يوم الإثنين الماضي، ولكن بسبب أمر "دبّر بليل" خرج قرار جديد؛ يقضي بإلغاء هذا المعرض صباح الثلاثاء، حيث اقتحمت قوّات الأمن مقرّ المعرض الذي كان بصدد التحضير، وقامت بإخلاء المكان وإغلاق الأبواب.

لماذا ألغي

لا أحد يعلم على وجه التحديد ما سرّ هذا القرار الجديد، لكن هناك العديد من القراءات التي فسّرت هذه الحاثة:

النظرية الأولى، والتي يتبناها المؤيدون لإلغاء المعرض، تؤيّد الرواية الرسمية وهي أن هناك تحدّيات أمنية كبيرة، وأن تأمين المعرض سيكون تشتيتًا لجهود الأمن، وأن هناك أماكن أخرى أجدر بأن تؤمّن.

تتجاهل هذه النظرية أن المعرض أقيم خلال الثلاثة أعوام الماضية، بما فيها من أحداث.

النظرية الثانية تقول إن إلغاء المعرض هو خدمة لاقتصاد الجيش الذي يتوسّع بشراهة هذه الأيّام، وتستند إلى خبر نشر حديثًا عن تعاون وزارة الإنتاج الحربي وشركة "ماتريكس غروب" لإقامة معارض "أسعد مصري"، التي سيتم فيها بيع منتجات الجيش من "الأدوات المنزلية والأجهزة الكهربائية والإلكترونية والأثاث الخشبي اللازم لتجهيزات القرى السياحية والمدارس".

"لومارشيه" نموذجًا

إلغاء معرض "لومارشيه"، سواء أكان سببه إفساح المجال للجيش ليتوغّل أكثر في الاقتصاد، أو لإيصال رسالة إلى رجل الأعمال طارق نور أو للسببين معًا، فإن هذ القرار يعطيني قراءة عن الطريقة التي تدار بها الأمور في مصر؛ لا يهم حجم الخسائر التي سيتكبدها قطاع الأثاث المصري الذي يعاني أصلًا منذ سنوات، ولا ما سيجنيه هذا المعرض من عائدات للمشاركين فيه، ولا يهم تأثيره على أصحاب الورشات الصغيرة في هذه الأزمة، وإضاعة الفرصة على المواطنين المقبلين على شراء أثاث محلي جيّد بسعر مناسب بعد الارتفاع الجنوني للأسعار، ولا تهم أيضًا الصورة الخارجية للبلاد، التي ستسوّق رسالة سلبية مفادها أن البلاد مهدّدة أمنيا، وتأثير ذلك على عدة مجالات على رأسها السياحة في مصر.

إلغاء معرض "لومارشيه"، ليس رسالة لطارق نور فقط، ولكنه رسالة موجّهة إلى من يفكّر من رجال الأعمال في الخروج عن الخط المرسوم من قبل من يديرون دواليب القرار في السلطة، ورسالة أيضًا إلى المواطنين الذين فقدوا أهم مركز للتسوق في مجال الأثاث، خاصة المقبلين على الزواج في الفترة القادمة، وتبقى الأسباب الاقتصادية وتضارب المصالح الخاصّة، العامل الأقرب إلى تفسير خلفية هذا القرار، حتى ولو كان ضدّ المصلحة العامة واقتصاد وسمعة البلاد.