بقلم: د. فتحي أبو الورد
أتابع التقارير والتحليلات التي تعرض للشأن المصري، وأقرأ بعناية البيانات التي تصدر عن التحالف الوطني لدعم الشرعية، وأرقب عن كثب ما يدور على الساحة الثورية، لأتلمس جزئيات المشهد، وأضم بعضها إلى بعض لعلي أظفر بصورة كلية، وأستطيع أن أقف مع بعض مفردات المشهد، ليعطي مجملها صورة كلية أقرب إلى الواقع على النحو التالي:
(1)
ــ ترددت كثيرا العبارات التالية على ألسنة القيادات الثورية وفي بيانات التحالف: المعادلة صفرية، اقترب موعد القصاص، لا تصالح مع القتلة، لا تفاوض على دماء الشهداء، لا تراجع عن الثورة، لا تنازل عن عودة الرئيس الشرعي المنتخب باعتباره أهم مكتسب من مكتسبات ثورة 25 يناير، لن نقبل بديلا عن عودة الجيش إلى ثكناته، وأستطيع أن أقرر بكثير من الاطمئنان أن هذه المفردات السابقة أصبحت ثوابت للحركة الثورية، وأهدافا جادة لها، يؤمن بها الثوار ويعملون من أجلها، وليست من قبيل المراوغة السياسية أو المناورة الإعلامية التي ترمي إلى رفع سقف المطالب حتى تحقق أكبر قدر منها عند التفاوض.
وأعتقد أن هذه الرسالة واضحة تمام الوضوح لدى الانقلابيين، وهذا ما جعلهم يتدافعون كالثيران الهائجة متخبطين في القرارات والتصرفات، فانتهجوا سياسة أكثر دموية تجاه الثوار، وشرعوا في مسلسل الإعدامات، وبدءوا في تنفيذ بعضها، في رسالة من الانقلابيين إلى الثوار أنهم جادون في التنفيذ، وليست أحكام الإعدام للتهديد فقط، ومن الممكن أن يطال تنفيذ الإعدام الرئيس المنتخب نفسه، باعتبار ذلك أوراق ضغط على الرئيس والتحالف، في تسابق محموم لانتزاع طوق نجاة لهم ممثلا في اعتراف الثائرين بالواقع، بعد أن قارب زمن الصراع على الانتهاء، مع تيقنهم أن الوقت المتبقي ليس في صالحهم، إن لم يكن بالفعل يلعبون في الوقت الضائع، فإن أفلحت محاولاتهم في الضغط فقد نالوا ما تمنّوا، وإن لم يظفروا بشيء فلن يغير إعدام قوافل أخرى من الثوار شيئا من المعادلة، والذي يوقن بأنه مطلوب للعدالة للقصاص على كل حال؛ فلن يفرق معه العدد الذي سيقتص منه لهم.
( 2 )
ــ انتهج الانقلاب سياسة الصدمة النفسية أو ما يسمى صدمة الرعب عبر سلسلة من الإجراءات الشيطانية ممثلة في التصفية الجسدية للثوار في منازلهم وعلى الملأ، وأحكام الإعدام وتنفيذ بعضها، والتعذيب الممنهج في سلخانات وأقبية أمن الدولة وغيرها،، في خطة أقرب ما يعبر عنها أنهم يذبحون القطة للثوار لكسر إرادتهم، ولم يفلح هذا النهج في إلحاق الهزيمة النفسية بالثائرين، ولم يعلموا البنية الإيمانية والأخلاقية لهذه النوعية من الثائرين، والتي شكلت آيات القرآن الكريم عقيدتها التي تقول بعضها: "قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَي اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (51) قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (52). التوبة
هذه النوعية من الثوار هي التي مثّلت القاعدة الصلبة للمد الثوري، واستعصت على الانكسار، وثبتت ثباتا أسطوريا على مدار عامين متواصلين أمام أدوات بطش العسكر "فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ" (146) آل عمران، وكان من ثمار ذلك إحداث حالة من الرعب المضاد لدى مكونات الانقلاب، وفشل الانقلابيين في تحقيق أهدافهم،، وبدأت تباشير النصر تلوح في الأفق، رغم اسوداد سطح المشهد.
( 3 )
ــــ فشل سيناريو فرض البديل الثالث حتى الآن، والذي يهدف إلى قفز شخصيات مدنية ليبرالية على السطح، المعلوم ولاؤها للغرب، لإجهاض استكمال المسار الثوري، متجاوزة أهداف ومكتسبات الثورة، ويسوق لها البعض على أنها البديل الذي يمكن قبوله، وخدعة الجماهير به مرة أخري، وهو البديل الذي يستميت الراعي الغربي للانقلاب وأعوانه الإقليميون من أجل فرضه وتثبيته على أرض الواقع، كبديل تحسيني لشكل الانقلاب الدموي الخشن، مما يمكن أن نطلق عليه أنه انقلاب ناعم.
ولكون هذه الشخصيات ليس لها من أمرها شيء، فضلا عن أن تملك من أمر الشارع الثوري شيئا، فلا تجد أي بالونات اختبار -أو تحركات جس النبض– من هذا القبيل قبولا لدى الجماهير الثائرة، وتجابه هذه الأطروحات بالرفض القاطع، مما لا تملك معه قيادة الحراك الثوري أي خيار آخر، وكذلك لأن الشارع الثوري له قيادته التي تحركه ؛ فلا أحد يملك إيقافه أو شق صفه.
( 4 )
ــ ما أقرؤه في مسيرة الثورة المصرية، أن استراتيجية الثوار في مصر اعتمدت كسب المعركة مع العسكر بالنقاط، وحتى الآن كسبت كثيرا من النقاط بفضل الله، حتى إذا أجهد الخصم، وضعفت أدواته في البقاء عليه مصلوب الطول، مرفوع القامة، كان الإجهاز عليه أمرا يسيرا بعد توفيق الله تعالى، "وَيَقُولُونَ مَتَي هُوَ قُلْ عَسَي أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا" الإسراء 51.
( 5 )
ـــ المشهد المصري الحالي يؤكد أن الانقلاب بالفعل في أضعف حالاته وأنه يعيش أزمة كبيرة تزداد يوما بعد يوم، وقد برزت معالمها في الانفلات الأمني الغير مسبوق في طول البلاد وعرضها، مما لا تخطئه عين، حتى جاء في بعض التحليلات أن سيناء تعد خارج السيطرة، وأن البدو هناك مثلوا حاضنة لداعش بعد الجرائم التي ارتكبها العسكر في حق أهالي سيناء.
وكذلك تآكل مكونات الانقلاب التي دعمته في نكبة 30 يونيو، وظهور الصراع المكتوم بين هذه المكونات على السطح الفضائي عبر الأذرع الإعلامية لكل فصيل، عندما تعارضت المصالح.
وتأتي المشكلة الاقتصادية باعتبارها العامل الأكبر، والعلامة الأبرز على فشل الانقلاب، حتى إنه لم يستطع أن يحافظ على الحالة الاقتصادية للبلاد على ما كانت عليه قبل شؤم الانقلاب، بل ازداد الوضع سوءا، وعم الغلاء، وأغلق أكثر من ألفي مصنع، وتعاظمت البطالة، وتدهورت قيمة الجنيه المصري، وحذر الاقتصاديون من ثورة جياع قادمة، ولم يتم إنجاز أي مشروع اقتصادي، في الوقت الذي يجمع فيه المحللون على أن بضاعة الانقلاب التي يحسنها هي تسويق الوهم، ولم يجد الذين أيدوا الانقلاب المن والسلوى اللذين وعد بهما مسيلمة الكذاب، حتى استيقظوا على الكارثة.
( 6 )
ــ هذه المفردات في مجملها تزفّ بشرى القرآن الكريم "سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا" الطلاق 7، " وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ" آل عمران 140، "سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا" الأحزاب 62.
وهذه المفردات نقرأ فيها أيضا ما يقرره الفقهاء: "أن الأمر إذا ضاع اتسع، وإذا اتسع ضاق"، وقد ضاق الأمر بالثوار المكلومين الصامدين، وهو في طريقه إلى الاتساع بإذن الله تعالى، وقد اتسع على الانقلابيين وهو في طريقه إلى التضييق، وأن المشقة تجلب التيسير، و"إن مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا" الشرح 5.

