بقلم: د. أكرم كساب 

لم يعد الآن شيء بعيدا عن السياسة –وهذا هو الطبيعي- فلا الدين ببعيد عن السياسة، ولا الإعلام ببعيد عنها، وفي حالة الغلاء لم يمكن إبعاد (البامية والطماطم) عن السياسة الفاشلة لنظام قمعي فاشي... وهذا الحال هو الحاصل في حياة المسلم الحقيقي، فدينه سياسة وسياسته دين، إذ حياته كلها لله القائل: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}(الأنعام: 162).
 
ولأن الرياضة وفي القلب منها كرة القدم غدت لدى العديد من الشعوب شيئا أساسيا –وهذا أمر مبالغ فيه- فقد أصبحت الرياضة جزءا أساسيا من السياسة، وكم رأينا الساسة يقربون مشاهير الرياضة الذين تملك حبهم من قلوب الجماهير، ولم يغِب هذا الأمر عن التيار الإسلامي، وخصوصا جماعة (الإخوان المسلمون)، التي نجحت في استيعاب العديد من نجوم الرياضة فضمتهم أسر الإخوان الإيمانية، وكتائب الإخوان الروحانية ومعسكرات الإخوان التربوية.
 
ولما كانت انتخابات الرئاسة عام 2012م تصدر الرياضون -الذين جمعوا بين فن الكرة وكريم الأخلاق وحسن التدين- المشهد مع غيرهم من المشاهير كـ: ربيع ياسين ومحمد رمضان ومجدي طلبة وسمير صبري، وفي المقدمة منهم كان الخلوق المهذب الحيي المتواضع (أبو تريكة).
 
وبعد انقلاب 30/6 تجمع الملايين في ميادين مصر، وتصدر ميدان رابعة المشهد، وبين الفينة والأخرى كان المحترمون من كل المجالات (علماء ودعاة وأطباء ومهندسون ومحاماة وفنانون...) يفِدون إلى رابعة مؤيدين للشرعية وللرئيس المنتخب محمد مرسي، وكم كان الشباب يتوق لرؤية (أبو تريكة)، وكم من المرات أعلن عن قدومه ثم لا يصدق الخبر، حتى أُعلن صراحة أن (أبو تريكة) لن يحضر.
ويبدو أن (أبو تريكة) كان له حسابات أخرى، فلم يشأ أن يعرف بانتمائه لجماعة (الإخوان المسلمون) ولا بتوجه السياسي المؤيد للشرعية ورئيسها، وقد غضب البعض من شباب الشرعية على (أبو تريكة)، وقال البعض: إنه ضنّ بنفسه على الشباب وآثر السلامة في وقتٍ كان الشباب أحوج ما يكونون إليه... وبالغ آخرون وقالوا: لقد أراد أن يحافظ على تاريخه وحاضره ومستقبله..
 
والحق أن (أبو تريكة) كان له العديد من المواقف الرائعة حتى وإن لم يحضر منصة رابعة أو يرفع شارتها، فهو اللاعب الذي رفض مصافحة وزير الرياضة الانقلابي (طاهر أبو زيد) ومن قبل هو اللاعب الوحيد الذي رفض اللعب في مبارة السوبر لأن شهداء مذبحة بور سعيد لم يحاكم مجرموهم بعد، وهو اللاعب ربما الوحيد كذلك الذي زار أمهات الشهداء..
 
لكن يبدو أن (أبو تريكة) بينه وبين الله سر، يكمن هذا السر في حب الناس الله، وقد شاء الله أن يقوم الانقلاب الغبي من خلال أذنابه أن يتحفّظ على أموال (أبو تريكة) ليعيد الانقلاب الأحمق بذلك (أبو تريكة) متربعا في قلوب محبيه، فمن حنق يوما أو غضب من (أبو تريكة) أدرك اليوم أن الانقلاب يكره الرجولة والشرف حتى وإن تخفى، وأدرك الجميع أن (أبو تريكة) حتى وإن لم يعلن عن هويته ورأيه وموقفه إلا أن أرباب القذارة يرفضون الطيب والعطر، وذوي العهر ينكرون الطهر وأهله.
وأخيرا فأقوله وبكل صراحة لقد كرم السيسي والانقلاب (أبو تريكة) حين أصدر قراره الأحمق بالتحفظ على أمواله، وأعاد للنجم الحبوب مكانته وقدره بين محبيه.
---------------------
* مستشار التدريب بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية -  عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين