بقلم: عامر شماخ

من أعجب العجب ما يجرى فى المحروسة الآن، فإن من تسلطوا عليها بقوة السلاح حريصون -كل الحرص- على إدخالها نفق التخلف والرجعية بدعاوى زائفة مثل محاربة الإرهاب (الإسلام)، بعدما مرّت البلاد بتجربة ديمقراطية رائعة سوف يكتبها التاريخ بأحرف من نور. 
 
فلن تجد قومًا فى التاريخ، عسكريين أو مدنيين، حكموا قطرًا من الأقطار إلا بذلوا الجهد وأظهروا الإخلاص لمواطنيهم فى بداية حكمهم- إلا هؤلاء، فإنهم -وهذا سبب العجب- منذ أول يوم استولوا فيه على السلطة وهم يجرفون كل شيء، ويمحون كل حسن، ويظهرون كل قبيح، ويبذلون الوسع فى تعتيم الصورة، وتحويل الوطن إلى ما يشبه دول القرون الوسطى التى لا تعرف حقًا لإنسان ولا كرامة لآدمي.
 
عشنا أجمل أيام حياتنا بعد ثورة يناير الطاهرة، وتداعت لدينا الأحلام والأمانى لبناء وطن متقدم متحضر يسوده الأمن ويحوطه الاستقرار ويتم التوسعة على أبنائه، وأن يكون هذا الوطن ملاذًا للمنكوبين، ودرعًا للخائفين، ونصيرًا للمظلومين، وما خطر على قلبنا يومًا أن هذه الأحلام سوف تبددها عصابة العسكر، ولم نكن نتصور أن بيننا أناسًا على هذه الصورة من الغل والحقد والجهل وسوء الطوية، ويا ليتهم خطفوا أحلامنا واكتفوا بهذه الجريمة، إنما تعددت جرائمهم حتى مهدوا الطريق لعدونا الدينى والتاريخى لاحتلال البلاد وتحقيق حلم دولته الممتدة -فى زعمهم- من النيل إلى الفرات. تحولت مصر -إذًا- على يد العسكر من دولة ديمقراطية ذات مقدرات هائلة، وذات مستقبل واعد، فى شتى المجالات، إلى مجهل من مجاهل أفريقيا، لا تسمع فيها إلا صوت الرصاص وخشخشات السلاح ونعير الطائرات التى كنا نظن أنه تم شراؤها لحرب العدو، فإذا هى تشهر فى وجوه الصالحين، وتصوب تجاه النساء والشيوخ والأطفال، وصرنا لا نسمع عن إنجاز واحد _إلا عن إنجازاتهم فى القبض على عشرات الإخوان، أو مصادرة أموالهم، أو الحكم على عدد منهم بالإعدام أو المؤبد.
 
لقد تخلصوا من (صندوق الانتخابات) واستبدلوه بصندوق الذخيرة، والموت لمن يفكر -مجرد التفكير- فى معارضتهم؛ إذ صار القتل على النية، والضرب فى سويداء القلب لمن يشتبه به، والويل والثبور لمن عُرف أنه مسلم موحد، فلا مجال إذًا لحرية الرأي، خصوصًا إذا كان صاحبه من المسلمين، أما غيرهم فلهم الأمن والأمان، ولهم البشرى عند حاملى السلاح وراكبى الدبابات، يشيدون لهم دورًا جديدة للعبادة -كأنهم بحاجة إليها!!- ويذبون عنهم كل ناقد، ويولونهم المناصب والمراكز، ويسارعون فيهم يرضونهم بأفعالهم وأقوالهم. لم نسمع لسنتين اثنتين -منذ وقوع هذا الغدر- أن هناك نية للتوقف عن هذه الجرائم التى طالت الجميع، وهذا أمر طبيعى لمن يحمل السلاح ويفقد العقل، ولمن يملك القوة وقد نزعت منه الرحمة والإنسانية، فالذين يحكمون قومٌ علمانيون يعادون المسلمين ويحادون الله ورسوله -وإن كانوا يقولون بأفواههم ما ليس فى قلوبهم، فأنى تكون هناك نية لوقف جرائمهم، أو التوبة عما فعلوا أوالتراجع عما أفسدوا؟! إنها جريمة التاريخ التى سيكتب عنها أنها كانت من أغرب الجرائم، وأحطها فى الوقت ذاته.
 
قد يظن ظان أنى أكتب هذا يأسًا وإحباطًا، لا والله، فإنى لم أستبشر فى حياتى قط مثلما استبشرت هذه الأيام، فإن من يحادد الله يقصمه، ومن ينكث فإنما ينكث على نفسه، والله عادل؛ ومن عدله -تعالي- أنه يمهل الظالم والفاسق والكافر حتى يظن أحدهم أنه مثال الشرف والدين -لحلم الله عليه- لكنه الاستدراج، فإذا أخذه لا يفلته. أما ما يجرى فإنه قدر الله عز وجل، ليميز الخبيث من الطيب، وقد استبان سبيل المجرمين، وازداد الذين آمنوا إيمانًا، فما من رجل أو امرأة فى مصر الآن إلا هو واحد من اثنين؛ إما يعرف الحق ويذود عنه راغبًا مختارًا صابرًا لا يشكو ولا يمل، أو ظالم فاجر يعادى الحق ويقترف السوء ويجهر بالفحشاء ومساندة الطغاة المستبدين، وأعتقد جازمًا أن لهذا الصراع نهاية عاجلة؛ تبيض فيها وجوه الذين آمنوا وصبروا، وتسود وجوه آخرين جهروا بالفسق وآذوا الصالحين.. نسأل الله أن نكون فى صف الحق وأهله.