بقلم: د. أكرم كساب

ما من ثورة من الثورات إلا والناس فيها أنواع وأصناف: صنف يعيش للثورة فكرا وتخطيطا، قولا وعملا، بذلا وعطاء، وقد يموت دون ان يعرفه الناس؛ لكن يكفيه أن الله يعرفه،
وصنف آخر يعيش بالثورة فبها يأكل، وبها يزداد شهرة يوما بعد يوم، إن كان له نصيب من (الكعكة) رضي وثار، وإن أهمل سهوا، أو ترك عمدا لضعف قدراته غضب وزمجر وعاد معارضا ناقدا...
 
طارق الجوهري خرج من مصر قبل مذبحة رابعة، ولما وصل إلى قطر لم تفتح له الأبواب كما فتحت لغيره، ولم يكن حظه كغيره ممن غادروا مصر ففتحت لهم الأبواب، وجاءتهم الوظائف تسعى، وإنما جاء الرجل إلى قطر فارا بدينه ونفسه وأهله من أتون المحنة التي يقودها العسكر على كل حر أبي، فظل مدة طويلة يبحث عن لقمة العيش الشريف، ومات الرجل دون أن يتحصل على وظيفة كما تحصل غيره..
مات وهو الوحيد في تخصصه (ضابط شرطة) الذي ترك وظيفته وترك مصر كلها وكان في مقدوره لو أراد أن يكون ثريا لتحصل على المال الوفير من الحل والحرمة كما يتحصل أقرانه، لكنه أبى إلا أن يكون حرا عزيزا كريما..
 
مات الرجل ولم يجن من المال ما يؤمن به مستقبل أولاده، لكن يكفيه تلك الدعوات التي جاءته من كل حدب وصوب، يكفيه هذا العدد الذي قلّ أن يحضر مثله في جنازة في قطر، يكفيه أن يبكي عليه الرجال والنساء والأطفال والأحرار والثوار...
 
عزاؤنا أن طارق وغيره ممن تركوا مصر وماتوا في الغربة ما رواه ابن ماجه والنسائي وغيرهما عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: تُوُفِّيَ رَجُلٌ بِالْمَدِينَةِ مِمَّنْ وُلِدَ بِالْمَدِينَةِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: "يَالَيْتَهُ مَاتَ فِي غَيْرِ مَوْلِدِهِ" فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ النَّاسِ: وَلِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا مَاتَ فِي غَيْرِ مَوْلِدِهِ، قِيسَ لَهُ مِنْ مَوْلِدِهِ إِلَى مُنْقَطَعِ أَثَرِهِ فِي الْجَنَّةِ".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* مستشار التدريب بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية - عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين