بقلم: د. عز الدين الكومي
عندما قال القاضي في محاكمة القرن بعد تبرئة المخلوع من كل ما نسب إليه عودوا إلى مقاعدكم ترى ماذا كان يضمر من وراء هذه العبارة؟! هل يعود مبارك حاكما لمصر وهو ما يحدث الآن في ظل رموز الوطني العائدة بقوة؟ فقد قررت حكومة محلب قبل أيام هدم مقر الحزب الوطني المنحل والذي تم إحراقه إبان ثورة يناير على اعتبار أنه يمثل رمزية ظلم الشعب قبل الثورة والذي استمر طيلة 30 عاما جاثما على صدور المصريين حتى إنه أفسد كل شيء وجرف كل شيء وأذاق الشعب الأمرين من الذل والهوان والتعذيب والتنكيل في أقسام الشرطة وأماكن الحجز وتزوير فاضح لإرادة الشعب على يد الفتى الملل الطفل المعجزة أحمد عز. حتى صار حال الشعب كما يقول أحمد مطر إلى مجموعات من المرتزقة التي تنافق النظام القمعي وزبانية العادلي.
نافق ونافق ثم نافق لا يسلم الجسد النحيل من الأذى إن لم تنافق نافق.
فماذا في النفاق إذا كذبت وأنت صادق نافق فإن الجهل أن تهوى
ليرقى فوق جثتك المنافق لك مبدأ لا تبشن به كن ثابتا لكن بمختلف المناطق
واسق سواك بكل سابقة فإن الحكم محجوز لأرباب السوابق
هذي مقالة خائف متملق متسلق ومقالتي أنا لن أنافق.
لكن يبدو أن حكومة محلب سعت لهدم مقر الحزب الوطني المنحل والذي كان يوما مقرا للاتحاد الإشتراكي العربي لتضرب عدة عصافير بحجر واحد منها إزالة آخر رمز من رموز ثورة يناير ومنها وهذا هو الأهم إحياء موات أعضاء الحزب الوطني ليعودوا إلى مقاعدهم كما بشرهم الشامخ في هزلية محاكمات مبارك ويديروا الدولة العميقة بمؤسساتها المختلفة وليكونوا رصيد الحكومة إذا ما فكرت في عمل انتخابات برلمانية بعد حين فيكون أتباع الوطني المنحل هم في الصدارة وتضمن بهم قوائمها الموحدة واستمرارية نظام الحزب الواحد.
ووأد الديمقراطية التي بزغت شمسها مع ثورة يناير وتمرير كل ما يريد الانقلاب من القوانين والاتفاقيات في المقابل الحفاظ على مكتسباتهم وإمبراطورياتهم الاقتصادية والتهرب الضريبي والجمركي وغيرها من المكتسبات.
والمتأمل في المشهد المصري يرى أن أعضاء الحزب الوطني المنحل عادوا لصدارة المشهد بدون مبانٍ وبدون واجهات حيث أعلنوا عن أنفسهم بقوة من خلال الدعاية الانتخابية للبرلمان القادم في الشارع ليقولوا –نحن هنا – ونحن من سيدير المشهد.
وكانت عودة أعضاء الوطني المنحل مبكرة حيث عادوا للمشهد من خلال أحكام الشامخ التي منحتهم البراءة عبر -مهرجان البراءة للجميع– حيث تمت براءة مبارك وابنيه ونظيف رئيس وزرائه وزكريا عزمي و العادلي وزير الداخلية ومساعديه وأحمد عز وفتحي سرور وصفوت الشريف وغيرهم من رجال المخلوع وكان آخر المستفيدين من البراءات سامح فهمي وزير البترول في عهد المخلوع وحسين سالم صديق آل مبارك في قضية تصدير الغاز لإسرائيل حتى إن بعض هؤلاء اتهم بطرس غالي بالغباء والجنون عندما سارع بالهروب إلى إنجلترا عقب قيام الثورة وصدرت ضده أحكام بالسجن تصل لـ30 عاما بتهمة إهدار الأموال العامة واستخدامها في الحملات الانتخابية لأعضاء الحزب الوطني وقالوا لو كان بيننا لصار اليوم بريئا وبالنسبة لبطرس لا تفرق كثيرا معه لأنه يدير شركاته وتجارته من لندن وليس لديه مشكلة في التنقل في بلاد أوربا وغيرها.
وكما منحهم الشامخ البراءة منحهم أيضا حق العودة للحياة السياسية فقد صدر حكم قضائي بإلغاء منع الأعضاء السابقين في الحزب الوطني المنحل من الترشح في أي انتخابات مقبلة وتقريبا كانت هذه آخر فصول المسرحية الهزلية بعودة مبارك ونظامه ورموزه.
أما العصفور الثالث وهو إسناد أعمال الهدم للإدارة الهندسية بالقوات المسلحة الباسلة بالأمر المباشر مما ينبئ بأنه هي ذاتها من سيتولى أعمال البناء أيضا لأن الفائدة ليست في الهدم ولكنها تكمن في البناء، وهذا يؤكد بالدليل القاطع أن الجيش هو الذي حمى الثورة وهو الذي قضى عليها في نفس الوقت لأنه تجاهل الدعوات التي طالبت بالإبقاء على لمبني بصورته الحالية كتوثيق للثورة كما يحدث في البلاد التي توثق ثوراتها وتاريخها.
على أن عودة رموز الوطني المنحل ظهرت بقوة عقب الانقلاب المشئوم من خلال إقامة ندوات تناقش مكتسبات الشعب بعد انقلاب 30 يونيو كما هو الحال في الندوة التي عقدها مفيد شهاب لمناقشة تداعيات سد النهضة على مصر والندوة التي عقدها فتحي سرور والتي ناقش خلالها الاستفتاء على دستور الدم ونقلتها فضائيات رجال مبارك ووسائل إعلامهم.
وما لا يخفى على أحد أن هذه العودة السريعة جاءت بناء على ضوء أخضر من قائد النظام الانقلابي والذي أراد أن يرد الجميل ويكافئ رموز الوطني المنحل على ما قدموه وما قاموا به من افتعال للأزمات ووضع العقبات والعراقيل أمام حكم الرئيس محمد مرسي لإفشاله وإظهاره بمظهر العاجز وكان آخر من ظهر هو المشير طنطاوي قائد المجلس العسكري والذي اصطحبه قائد الانقلاب معه في افتتاح بعض مشروعات القوات المسلحة.

