بقلم: د. عز الدين الكومي

بعد أن انفض مؤتمر القمة العربية بشرم الشيخ والتي كانت قمة تاريخية؛ حيث كانت قمة التناقضات، ليس هذا هو المهم لكن المهم أن بعض الكائنات الناصرية والقومية تجتر سيرة الزعيم الملهم ومحاولة إلصاقها بقائد الانقلاب على غرار محاولات الكاهن العجوز هيكل في استنساخ مرحلة تاريخية برمتها واستدعائها وإصراره على ذلك ولكنه هوجم حتى من تلاميذه النجباء الذين اعتبروا تحليلاته مصدر إلهام لكل الزعماء.
 
وعلى سبيل المثال خرج علينا أحد مطبلاتية النظام الانقلابي المخبر مصطفى بكري مهللا ومطبلا وناعقا: إن قائد النظام الانقلابي يهتف في قلب شرم الشيخ تحيا الأمة العربية كم أنت رائع أيها الفارس النبيل هذه الأمة وجدت لتبقى أبدا لن تموت. وأشار إلى أن قائد النظام الانقلابي يبعث الأمل في نفوس من كان يقول إن العرب اتفقوا على ألا يتفقوا الأمة تبعث من جديد والزمن الآتي حقاً سيكون زمن الحلم العربي الواحد. وأضاف أن قائد الانقلاب بخطابه أمام القمة العربية اليوم يذكرنا بزمن عبد الناصر حيث العزة والكرامة ومواجهة التحديات والقدرة على توحيد الصف العربي.
 
ولم يفت بكري أن –يشوبش على الخلايجة- فقال إن الملك سلمان يؤكد أن عاصفة الحزم سوف تستمر لحين تحقيق الأمن والاستقرار في اليمن على الرغم من أن العاصفة بدأت بدون علم زعيم الانقلاب ولم يثبت له حتى الآن أي مشاركة فعلية اللهم إلا تفكيك باب المندب ووضعه بجوار باب زويلة.
 
لكن زمن الكرامة الذي يتحدث عنه هذا الدعي الانقلابي هو ذلكم الزمن الذي احتلت فيه سيناء والجولان والقدس وتساوت فيه قواتنا الجوية بالأرض وكانت أكبر نكسة شهدها العالم العربي في التاريخ.
 
في هذا العصر بدأ السجل الأسود للدكتاتورية والعلمانية ومحاولة القضاء على ثوابت الأمة وقيمها من خلال الميثاق وقوانين يوليو الاشتراكية ونقطة البداية للدولة البوليسية والتفنن في التعذيب والقهر والظلم.
ولكن البعض انخدعوا بمسرحية حادث المنشية يوم أن وقف البطل المغوار يتحدث قائلا: فليقتلوني فقد وضعت فيكم العزة. فليقتلوني فقد وضعت فيكم الكرامة فليقتلوني فقد أثبت في هذا الوطن الحرية والعزة والكرامة.. والعكس هو الصحيح فقد ديست كرامة الوطن والمواطن تحت بيادات العسكر كما في كرداسة وكمشيش والسجن الحربي وامتهنت كرامة الإنسان وكبلت الحريات بكل قيد.
وقد عاش الإنسان المصري في هذا العصر ذليلا خائفا يلهث وراء لقمة العيش في نهاره مرعوبا في ليله من جلاوزة شمس بدران ومليشيات المشير عامر في دولة العسكر. حيث قيدت الحريات وألغيت الحياة البرلمانية التي كانت إحدى محاسن العهد الملكي وابتدعت فكرة الاتحاد الاشتراكي والاتحاد القومي ووزارة الوعي القومي لغسل مخ المصريين والتنظيم الطليعي ووأدت الديمقراطية في مص وظهرت بدعة التسعات 99،99 الأربع.
وامتلأت المعتقلات والسجون بخيرة شباب مصر بحجة محاربة الإرهاب وهي نفس التكأة التي يتذرع بها نظام الانقلاب اليوم ونظرية محاربة الإرهاب المحتمل ومن ينسى سلخانات التعذيب على يدي حمزة البسيوني وصفوت الروبي وشمس بدران وصلاح نصر.
ومن أجل عيون الزعيم الملهم خضنا حروبا لا ناقة لنا فيها ولا جمل دمرت الاقتصاد وقتل خلالها زهرة شباب مصر لمحاربة الرجعية الإمامية والملكية السعودية.
ويوم أن اعترض القضاة على قوانين الطاغية كانت مذبحة القضاة وعزل القضاة والتنكيل بهم كما حدث مع الفقيه القانوني الدكتور عبد الرازق السنهوري.
وتم تخريب أخلاق الناس وظهرت الألفاظ البذيئة اقتداء بالقائد الملهم الذي كان يسب الملوك والرؤساء الذين يعارضونه كما كان يقول عن الملك فيصل والملك حسين والرئيس بورقيبة وإيدن رئيس وزراء بريطانيا.
زمن العزة والكرامة والحرية الذي جعل موشيه ديان بعد هزيمة يونيو 67 حيث اليهود على ضفة القناة وتم تدمير مدن القناة بالكامل وتشريد أهلها يقول لو كان الأمر بيدي لصنعت له تمثالاً في تل أبيب. 
في عصر الحرية والكرامة والعزة كان النظام يتجسس على أصدقائه فضلا عن أعدائه وألغيت المحاكم الشرعية المحدودة الاختصاص واستولت الدولة على أوقاف الأزهر.
ومن العزة والكرامة تعذيب المواطنين بهذه الصورة البشعة كما جاء في شهادات عدد من أبناء كمشيش قال: كامل حجاج (فلاح) ضربوه على قدميه حتى انحلت أظافر قدميه من كثرة الضرب عليها. وشهد محمد السيد حلاوة بدير مدير الإصلاح الزراعي السابق بالمنوفية أنهم أطلقوا عليه الكلاب المتوحشة تنهش لحمه. وسمع من الجنود أنهم يأخذون اثني عشر جنيها شهريا بدل تعذيب، وشهد فاروق الفقي أن شمس بدران وزير حربية عبد الناصر وحسين عبد الناصر شقيق جمال عبد الناصر حضرا للسجن أكثر من مرة وشهد المزارع توفيق عبد الستار أن المتهمين الضباط والجنود الذين كانوا يقومون بالتعذيب أمروه أن يلحس الحيطان بلسانه حتى سالت منه الدماء، وأن المتهم سعيد بدوي أحد الجنود الذين كانوا يعذبون يبصق في كوب ماء ويجبر صلاح الفقي على شربه، وشهد رفعت رمضان المدرس أنهم أمروه أن يبصق على وجه والده فلما رفض ضربوه حتى سقطت أسنانه، وشهد المزارع سعد نصار أنهم ضربوه حتى فقد سمعه).
كل هؤلاء شهدوا في جلسة واحدة من جلسات محكمة الجنايات التي كان يحاكم أمامها ضباط وجنود عبد الناصر الذين عذبوا أفراد عائلة الفقي وأصدقاءهم.
 
والمخجل المخزي أن هؤلاء الضاربين كانوا يتناولون أجرا على تعذيب إخوانهم. من الذي كان يعطيهم أجرا مقابل التعذيب؟ ألا يعلم بها عبد الناصر؟ وأية صفات رخيصة يغرسها هذا الحاكم في نفوس الشعب بمثل هذه التصرفات؟ وفي جريدة الأخبار الصادرة في يوم الأحد 29 يناير سنة 1978 بدأت النيابة مرافعتها في قضية تعذيب كمشيش وقالت عن حكم عبد الناصر وأذنابه:
 
(إنها قضية الشيوعية.. والظلم والعدوان والبطش والإرهاب قضية فئة ضالة شاء قدرها أن تجلس منذ سنوات على مقاعد السلطة.. وكيف انتزعوا التحقيق من بين يد ي النيابة محتجين بصدور تعليمات من وزير العدل ولم يتأكد ذلك في التحقيقات.. وكيف استباح المتهمون لأنفسهم ارتكاب أبشع الجرائم والتهديد والاعتداء على الأعراض... ولم يرحموا واحدا من المجني عليهم وهو بين يدي الله يؤدي فريضة الصلاة وكيف تمكنوا بالتعذيب من انتزاع الاعتراف بالقتل ممن كان معتقلا وقت مصرع القتيل).
وصف عبد الناصر أيام حكمه الإخوان المسلمين بأنهم من أهل الإرهاب فسخر الله النيابة الممثلة للهيئة الاجتماعية كلها أن تدمغه هو وحكمه بالإرهاب فثبت للملأ من هو الإرهابي! ومن هو المسلم، إن الإخوان المسلمين لم يخرجوا إنسانا من صلاته ولكن عبد الناصر بأذنابه عذبوا رجلا كان يؤدي فريضة الصلاة حتى الله جل جلاله لم يرهبوا سلطانه فعذبوا الواقفين بين يديه يصلون!
وإليك حكم المحكمة في قضية كمشيش يخبرنا عن العزة والكرامة والحرية التي تمرغ فيها المصريون إبان العهد الناصري الذي يتباكى عليه الكومبارس حمدين صباحي والانقلابي مصطفي بكري كما يتباكى محمود سعد على الزمن الجميل وشرب البيرة وخروج النساء بالحمالات في البلكونات.