بقلم: د. عز الدين الكومي

 
اتفاقية سد النهضة التي ستوقع غدا بالخرطوم هي كارثة بمعنى الكلمة كارثة للأجيال القادمة حيث سيترتب عليه تبوير أكثر من مليون فدان وعطش المصريين وإتلاف الزراعات وتعطيش مصر وسرقة حصتها في مياه النيل وهي تعاني فعلا فقرا مائيا، فمن أين أتي هذا التفاؤل السوداني كما وضح من خلال تصريحات الموارد المائية والكهرباء معتز موسى، حيث قال الوزير السوداني: إن هذا الاتفاق "سيضع في المقام الأول الإقليم الذي يضم السودان ومصر وإثيوبيا في المسار الصحيح والطبيعي الذي تماشي مع مصالح الشعوب"، وما قاله موسى أكده وزير الخارجية السوداني علي كرتي عقب توقيع إعلان المبادئ الذي وقع بين مصر والسودان وإثيوبيا يوم الجمعة الماضي.
 
لكن الجانب الإثيوبي واضح أنه يجيد المراوغة بما يتمتع به من حماية غربية على اعتبار أن إثيوبيا هي قلعة النصرانية في إفريقيا، هذا من جانب، ومن جانب آخر أن فكرة بناء السد جاءت أساسا كفرة تحريضية من دولة الكيان الصهيوني بذلك تستطيع دولة الكيان الصهيوني إقناع الغرب وأمريكا بالوقوف بجانب إثيوبيا في نزاعها مع مصر والسودان حول سد النهضة.
 
 ففي البداية أعلنت إثيوبيا أنها ستشرع في بناء سد بارتفاع 92م ويخزن خلفه 14 مليار متر مكعب من المياه، وهذا المعلن، لكن فجأة وبدون مقدمات تغيير كل شيء واتضح أن ارتفاع السد أكثر من ارتفاعه المعلن حتى الآن 145 مترًا، يحتجز خلفه في معين بحيرته 74 مليار متر مكعب من المياه، وهذا هو المعلن إلى ، زد على ذلك بأنه سيتم بناء سد احتياطي بارتفاع 46 متر، كل هذه الإجراءات ستؤدي إلى كارثة محققة؛ وهي أنه أثناء ملء بحيرة السد ستنقص حصة المياه القادمة من النيل الأزرق بمعدل 70%، مما سيؤدي إلى أن المصريين خلال السنوات الأربع المقررة لملء البحيرة سيستنزفون كل المياه الموجودة في بحيرة ناصر.
 
ثم بالمنطق اتفاقية بهذه الخطورة كيف يتم توقيعها دون مناقشة أو محاسبة وكيف تتم في غيبة البرلمان أو على الأقل كان يجب عرضها للاستفتاء من قبل المصريين ليقولوا رأيهم فيما يخص حاضرهم ومستقبلهم .
 
ومما لا شك فيه أن السودان ليس بمنأى عن أضرار السد الفادحة التي سَتُصيب السودان رغم وفرة مياه الأمطار الغزيرة به على الرغم من تجاهل كل المسئولين السودانيين لمخاطر السد، وفقط يذكرون أن السد سيجنب السودان ويلات الفياضانات، وكذلك يوفر الكهرباء للسودان بأسعار مناسبة، ولا يذكرون أية سلبية للسد، ويبدو وكأنه غير مكترث بهذه الأضرار، وهكذا هي الطبيعة السودانية تعتبر كل الأمور بسيطة وسهلة حتى ولو كانت تقسيم السودان.
 
موقف النظام الانقلابي ومن يدور في فلكه يستشعرون الخطر من هذه الاتفاقية، وهذا ما عبرت عنه الدوائر الحكومية الرسمية لسلطة الانقلاب؛ ففي أحد برامج التلفزيون يوم السبت الماضي قالت المذيعة بالحرف الواحد وعلى غير عادة التلفزيون المصري في تحميله مسئولية ما لحق بمصر من هزات للرئيس محمد مرسي، قالت مذيعة في أحد البرامج الحوارية إن إثيوبيا وجهت صفعة لمصر بعد رحيل محمد مرسي وحولت مياه النيل الأزرق من أجل بناء سد النهضة..
 
وكان لافتا ارتباك الضيف الموجود معها في الحوار وبحثه عن إجابة تدين نظام مرسي، فما كان منه إلا أن حمّل ثورة يناير والأحداث التي رافقتها وانتخاب الإخوان لتسلم السلطة مسئولية ما جري ليختم ويقول علينا نسيان كل ما مضى.
 
وكان وزير الخارجية المصري وقّع بالفعل على وثيقة الاتفاق على سد النهضة مع إثيوبيا والسودان وسيتم الإعلان عن التصديق عليها في السودان يوم 23 مارس الجاري مع أن هذه الاتفاقية لم تقدم أي ضمانات لعدم الإضرار بمصر سوي دفع تعويضات للجانب المصري إذا ثبت أن هناك أضرارا يمكن أن تلحق به وهل هذه التعويضات ستعيد الأراضي التي تم تبويرها أم أنها ستذهب لجيوب العسكر.
لذا أؤكد أن القصد من توقيع هذه الاتفاقية هو فقط تنازل مصر عن حصتها في مياه النيل وحقوقها التاريخية مقابل أن تقوم إثيوبيا بلعب دور أكبر لعودة مصر لدوره بالاتحاد الإفريقي بقصد إسباغ الشرعية على النظام الانقلابي، وأعتقد أن هذه نصيحة صهيونية غربية خاصة بعد فشل المؤتمر الاقتصادي في تحقيق هذا المقصد بالرغم من توجيه الدعوة لعدد من الدول الفقيرة والتي لا دور لها في الاقتصاد أو التنمية فقط لتحقيق نوع من الشرعية التي يشعر النظام الانقلابي بأنها لم تتحقق له حتى الآن.