أحمد الذايدي
محلل سياسي، أستاذ الاعلام الاسلامي في كلية الشريعة بالكويت
نتائج الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة تتجاوز وصفها بالخسارة المذلة لحزب دونالد ترامب الجمهوري وانتصار للديمقراطيين في مجلسي النواب والشيوخ، فما هو أعمق من ذلك هو انكسار اللوبي الصهيوني ونهاية سيطرته شبه المطلقة على السياسة الأمريكية، وتحرر الشعب الأمريكي من احتلاله لمؤسسات صناعة القرار في واشنطن.
لقد أثبتت هذه الانتخابات إمكانية أن تكون مناهضا لإسرائيل وتفوز بالانتخابات، كما فعل د. عبد الرحمن السيد الذي تحدى اللوبي الصهيوني بشجاعة ثم فاز ليصبح أول سيناتور مسلم يفوز بهذا المنصب في تاريخ الولايات المتحدة. كما تعرض عدد من المرشحين للهزيمة بعد أن كانوا يفاخرون بدعمهم لإسرائيل ويتلقون أموالا طائلة نتيجة ارتهانهم لمصالح ذلك الكيان على حساب مصالح شعبهم.
إن تكرار ذلك المشهد في عشرين ولاية أمريكية ليس إلا دلالة على تحرر الناخب الأمريكي من سيطرة ذلك اللوبي الإسرائيلي الذي فضحته حرب غزة أمام الشعب الأمريكي.
النتيجة الثانية التي لا تقل أهمية هي تحطم الحملة المستمرة للتخويف من الإسلام (الإسلاموفوبيا) التي حالت دون اعتبار المرشح المسلم خيارا صالحا للانتخاب في نظر الناخب الأمريكي، مما تسبب في تهميش الملايين من المسلمين سياسيا وحالت دون وصولهم للمناصب العليا التي تكافئ أعدادهم في المجتمع الأمريكي. لقد رسخت هذه الانتخابات مبدأ الانتخاب على مبدأ البرنامج الانتخابي الذي يقدم حلولا لمشاكل الناس دون النظر لخلفية المرشح الدينية، وهو ما أدى إلى نجاح ثمانية أعضاء في الكونغرس الجديد من المسلمين أبرزهم د. عبد الرحمن السيد؛ السيد الذي جاهر بهويته الإسلامية وإدانة حرب الإبادة في غزة وطالب بقطع المساعدات عن الكيان الإسرائيلي، حتى اضطر ترامب نفسه أن يعلن عن ذلك القرار عشية الانتخابات النصفية.
وعليه يمكننا القول إن هذه الانتخابات قد أبطلت سحر الإسلاموفوبيا التي غذاها الإعلام الأمريكي لعشرات السنين، حتى صارت كراهية الإسلام والمسلمين جزءا لا ينفك عن التكوين النفسي للمواطن الأمريكي الأبيض. بعد هذه الانتخابات لن ينظر قطاع واسع من الأمريكيين للمسلمين كتهديد للأمن القومي الأمريكي كما في السابق، بل كمكون طبيعي من مكونات المجتمع حاله كحال بقية المكونات الأخرى، وسيتمكن الجيل القادم من المسلمين من خوض الانتخابات الأمريكية دون الشعور بالخجل من هويتهم الإسلامية، وستتسابق الأحزاب السياسية على استقطاب مرشحين مسلمين لمغازلة الصوت الإسلامي الذي كان مهمّشا لعشرات السنين. بل إنني أزعم أن الطلب سيزداد على المرشحين المسلمين (إذا لاحظ الناخب الأمريكي تميز أدائهم السياسي وصدق وعودهم ونظافة أيديهم)، وحينها لن يكون من المستغرب خوض مرشح مسلم سباق الرئاسة في المستقبل المنظور.
ومن أهم النتائج المتوقعة لهذه الانتخابات -التي اعتبرت استفتاء على حرب إيران- أن تنكفئ الولايات المتحدة على نفسها ردحا من الزمن، وتنشغل بشؤونها الداخلية وتقلص من نفقاتها العسكرية وتتوقف عن الدعم الأعمى لإسرائيل. لقد أكدت هذه الحرب عجز الولايات المتحدة عن الحسم العسكري كما أثبتت عجزها عن حماية حلفائها في المنطقة، علاوة على تململ بل غضب الشارع الأمريكي من سياسة الحروب المستمرة التي استنزفت اقتصاده وأفقرت الملايين من الأمريكيين. كما أثبتت حرب إيران التي أضرت بالاقتصاد العالمي ودول الخليج بشكل خاص، خطأ حسابات صانع القرار الأمريكي وضريبة اندفاعه خلف إسرائيل في حروبها العبثية التي لا تستهدف إلا الدول الإسلامية تحت ذرائع شتى. الآن ستضطر الإدارة الأمريكية أن تتجرع مرارة فقدان هيبتها كدولة عظمى، وستكون حرب إيران هي آخر حرب هجومية تخوضها لسنوات طويلة قادمة، وستدفع إسرائيل نتيجة لذلك ثمن عربدتها وطغيانها وسيتغير الشرق الأوسط بغير ما تشتهي.
باختصار، هذه الانتخابات قد كشفت عن واقع جديد في الولايات المتحدة أهم معالمه بداية سقوط السيطرة الإسرائيلية على دوائر صناعة القرار الأمريكي، وبداية انكفاء الإدارة الأمريكية على الشؤون الداخلية، وبداية صعود الصوت الإسلامي في المجتمع الأمريكي.

