فجّرت نقابة الأطباء مواجهة معلنة مع الحكومة عقب توجيه خطاب رسمي يطالب بخفض أعداد المقبولين بكليات الطب بنسبة 10% سنوياً، وفرض سقف لا يتجاوز 15 ألف طالب لوقف تدني جودة التدريب الميداني.
فيما تبنى رئيس الوزراء مصطفى مدبولي خطة معاكسة تقضي بزيادة مقاعد الطب البشري بحجة سد عجز المستشفيات الحكومية، متجاهلاً تحذيرات النقابة الصارمة بشأن افتقار الجامعات للبنية السريرية التحتية الملائمة لتأهيل الدفعات الجديدة.
تقليص المقبولين وتفادي الانهيار المهني
وبناءً على ذلك، تمسكت الجمعية العمومية بضرورة تطبيق خفض فوري بنسبة 10% للملتحقين بكليات الطب، عادّةً التوسع غير المدروس في استيعاب الطلاب ضربة قاضية لفرص التعليم العملي الرصين داخل المشافي التعليمية الجامعية.
وفي هذا السياق، يوضح أستاذ التعليم الطبي وإدارة النظم الصحية الدكتور طارق رضوان أن تدريب الكوادر السريرية يستلزم نسباً قياسية عالمية بين عدد الطلاب والأسرة المتاحة، وهو ما تفتقده الجامعات المصرية راهناً.
ومن هذا المنطلق، يعاني أطباء الامتياز من تكدس غير مسبوق في المستشفيات بعد مضاعفة فترة التدريب الإجباري لتبلغ عامين كاملين بدلاً من عام واحد، دون توفير مخصصات تدريبية حقيقية أو استيعاب لوجستي ملائم.
وعلى النقيض من ذلك، تواصل الحكومة دفع خطتها لإعادة تدوير المقاعد الجامعية عبر خفض المقبولين بالصيدلة وطب الأسنان لضخ آلاف جدد في الطب البشري، متناسية أن تأهيل الطبيب يتطلب معامل ومستشفيات متقدمة.
نتيجة لذلك، يتهدد التصنيف الأكاديمي للشهادات المصرية بخسارة الاعتراف القاري والدولي، إثر تحول قاعات المحاضرات إلى مراكز لتفريخ شهادات تفتقر إلى الحد الأدنى من الكفاءة الجراحية والممارسات المعملية والسريرية المعتمدة.
وترسيخاً لهذا النهج، تفرض سياسات قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي ضغوطاً متزايدة عبر التعامل الرقمي الصرف مع المنظومة الصحية، باختزال أزمة نقص الرعاية في زيادة عدد الخريجين دون تحسين أجورهم أو توفير حماية عملهم.
اشتراطات الترخيص وثغرات الفروع الأجنبية
وإزاء هذا الواقع، أعلنت النقابة رفضها القاطع لقيد أي خريج من الكليات التي تعجز عن تشييد مستشفى جامعي تعليمي خاضع لإشرافها المباشر، واضعة حداً فاصلاً للكيانات الاستثمارية التي تتاجر بالتعليم الطبي دون التزام قانوني.
وبالتوازي مع ذلك، تصيب قرارات النقابة الصارمة المقررة لعام 2027 استثمارات الجامعات الخاصة في مقتل، حيث ترتبك حسابات الطلاب الجدد وأسرهم خشية إنفاق ملايين الجنيهات لنيل شهادات تظل غير معترف بها رسمياً.
وعلاوة على ذلك، تسعى النقابة لتشريع تعديلات جوهرية على القانون رقم 162 لسنة 2018 المنظم لفروع الجامعات الأجنبية، لإغلاق ثغرات تسمح بقبول طلاب بمجاميع متدنية تصل إلى 50% بناءً على لوائح مراكزها الأم.
وحسب المطالب المطروحة، يجب تقليص الفارق بين مجموع المتقدم والحد الأدنى للقبول الحكومي إلى 5% كحد أقصى، مع حظر قاطع لالتحاق خريجي القسم الأدبي وإلزام الجميع بالمسار العلمي التخصصي في الكيمياء والأحياء.
ويؤكد المستشار القانوني المتخصص في التشريعات الصحية الدكتور أحمد الشاذلي أن استثناء الفروع الدولية من الضوابط الوطنية ينسف مبدأ تكافؤ الفرص الدستوري، ويخلق مساراً موازياً يتيح شراء المقاعد الطبية بالمال لا بالجدارة العلمية.
وفوق ذلك، تتفاقم أزمة توحيد مؤهلات الدراسات العليا في طب الأسنان، مهددة آلاف الأطباء بفقدان فرص السفر والعمل بالخارج، نتيجة غياب التوافق الأكاديمي مع المعايير المهنية التي تطلبها المؤسسات الصحية الدولية.
طلب إحاطة للوزراء ومآلات سوق العمل
وعلى الصعيد البرلماني، تقدمت عضو لجنة التعليم الدكتورة أمل عصفور بطلب إحاطة لرئيس الوزراء ووزيري التعليم العالي والتربية والتعليم، لمراجعة معايير القبول بكليات الطب والهندسة بالجامعات الحكومية والأهلية والدولية.
وفي مذكرتها الإيضاحية، شددت النائبة على أن مجموع الثانوية العامة لم يعد معياراً كافياً لقياس الأهلية للتخصصات الحيوية، إذ تتطلب دراسة الطب قدرات في التحليل وحل المعضلات تتجاوز أساليب الحفظ والتلقين المعتادة.
ويستند الخبير في اقتصاديات العمل وتخطيط التعليم العالي الدكتور مدحت خليل إلى أن الإغراق الكمي دون ربط حقيقي بمشاريع الإنتاج والرعاية، يولد بطالة هيكلية تخنق قطاعي الهندسة والطب البشري وتخفض قيمة الأجور.
وبناءً عليه، تطالب المذكرة النيابية بحصر استيعاب الكليات بالاحتياجات الفعلية لمؤسسات الصحة والصناعة، تفادياً لتراكم خريجين عاجزين عن إيجاد فرص تدريب سريري ملائم أو مواقع تشغيل تناسب سنوات دراستهم الشاقة.
فضلاً عن ذلك، تؤكد الوقائع وجود تباين صارخ بين نظم التقييم بالجامعات الدولية والتعليم قبل الجامعي المحلي، الأمر الذي يضعف مهارات الطلاب الملتحقين ويهدر مبادئ العدالة وتكافؤ الفرص في نيل المؤهلات العليا.
وإزاء هذا التخبط، يظل القطاع الطبي على صفيح ساخن بين إصرار النقابة على تحصين معايير المهنة، واندفاع السلطة التنفيذية نحو حلول عددية مجتزأة تغرق المنظومة في الفوضى وتفتح باب هجرة العقول.

