سلطت ندوة أكاديمية نظمها بيت الحكمة (مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار في بغداد)، الضوء على الأبعاد الجيوسياسية الحساسة لقرار مجلس النواب المصري مؤخرًا بتفويض (قائد الانقلاب) عبدالفتاح السيسي باتخاذ التدخلات العسكرية والدفاعية اللازمة خارج الحدود لدعم المملكة العربية السعودية في مواجهة هجمات جماعة الحوثي.

 

ونشرت صحيفة "لندن بوست"، تقريرًا موسعًا حول الندوة، التي حملت عنوان "التدخل المصري في الشؤون اليمنية: التداعيات المحتملة على العراق والمنطقة"، جمعت عددًا من الأكاديميين والباحثين والمتخصصين في الدراسات الاستراتيجية. وتناولت الأوراق المقدمة أبعاد التحرك المصري، ودوافعه وحدوده، والروابط بين التطورات في اليمن.

 

 

 التفويض البرلماني ومحددات الدور المصري

 

بحسب المشاركين، جاء قرار البرلمان المصري بالموافقة على تقديم الدعم العسكري ليرسم ملامح مرحلة جديدة من التحالف الاستراتيجي بين القاهرة والرياض. وجاء التحرك بعد تصاعد حدة الهجمات الحوثية بالطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية التي ضربت منشآت حيوية داخل العمق السعودي، شملت مطار الملك خالد الدولي بالرياض ومرافق تابعة لشركة أرامكو.


شددت القراءات التحليلية على أن الموقف المصري المعلن يرتكز على العقيدة "الدفاعية" لحماية أمن واستقرار السعودية والمقدسات الإسلامية والمنشآت الحيوية، ولا يعني بالضرورة إرسال قوات برية هجومية إلى الداخل اليمني. وتتدرج الخيارات المصرية الحالية بين تعزيز شبكات الدفاع الجوي لصد المسيرات، وتقديم الدعم اللوجستي والاستخباراتي، وصولاً إلى توظيف القوة البحرية لتأمين حرية الملاحة في البحر الأحمر.

 

 

تشابك الملفات: من مضيق باب المندب إلى قناة السويس


أجمع الباحثون على أن الأزمة اليمنية لم تعد صراعًا محليًا، بل تحولت إلى محرك أساسي لمعادلة الأمن الإقليمي والدولي نظرًا لموقع اليمن الاستراتيجي المشرف على مضيق باب المندب والبحر الأحمر.


يمثل استقرار الممر المائي مسألة حياة أو موت للاقتصاد المصري؛ حيث يرتبط أمن البحر الأحمر مباشرة بمعدلات التدفق والرسوم في قناة السويس، والتي شهدت عوائدها تراجعًا حادًاً ومخيفًا خلال الأعوام الماضية (من 9.4 مليار دولار في 2022/2023 إلى نحو 4.6 مليار دولار فقط في 2025/2026) نتيجة لتعطيل الحوثيين لخطوط الملاحة التجارية.


تعززت المخاوف المصرية من حتمية التدخل بعد اختراق النيران لحصن الانعزال؛ وتحديدًا عقب الهجوم الأخير بطائرة مسيرة استهدفت سفينتي غاز في ميناء دمياط على البحر المتوسط في يوليو الماضي، مما أثبت لمصر عملياتيًا أن شظايا الصراع ستطال عمقها الاستراتيجي إن بقيت في خانة المتفرج.

 

 

تداعيات الجغرافيا على العراق والأمن الاقتصادي


طرح الدكتور زيد محمد علي إسماعيل ورقة بحثية استندت إلى فكرة أن الأزمات المعاصرة لا تقف عند الحدود السياسية للدول بل تفيض خارجها نتيجة لتشابك المصالح والروابط الجغرافية.


أوضحت الدراسة أن أي تصعيد عسكري شامل في البحر الأحمر سيؤدي حتمًا إلى إعادة توزيع تكاليف التجارة العالمية، ورفع رسوم التأمين البحري، وتغيير الشروط التعاقدية للشحن.


على الرغم من عدم وجود تماس جغرافي مباشر للعراق مع مسرح العمليات في البحر الأحمر، إلا أن أمنه الاقتصادي والنفطي بات معتمدًا بشكل وثيق على استقرار خطوط الملاحة عابرة الأفق. وأشار الباحثون إلى أن أي شلل يصيب قنوات التجارة البحرية سيفرض أعباءً مالية باهظة على وصول السلع والموارد الأساسية إلى الأسواق المستهدفة في المنطقة، بما فيها السوق العراقي.

 

 

 المبادرة الدبلوماسية واحتواء الانفجار الإقليمي


خلصت ندوة بيت الحكمة إلى توصيات استراتيجية تدعو إلى ضرورة تفعيل القنوات الدبلوماسية والسياسية لمنع اتساع رقعة المواجهة وتحييد العراق عن التحول إلى ساحة تصادم جديدة. وحث الخبراء على ضرورة بناء مبادرة تنسيق سياسي مشتركة تقودها الدول الفاعلة في ملفات التهدئة الإقليمية —وفي مقدمتها سلطنة عمان لخبرتها الطويلة في الوساطة والتواصل مع الحوثيين، إلى جانب مصر والمملكة العربية السعودية— لفتح قنوات حوار حقيقية تضمن سلامة الملاحة البحرية وحماية المنشآت الحيوية في المنطقة.

 

https://www.londonpost.news/article/when-geography-redistributes-risk-egypts-involvement-in-yemen-raises-questions