يمنح القرار رقم 395 لسنة 2026 الصادر عن قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي تفويضًا لوزير الدفاع في اختصاصات استثنائية بقانون التعبئة العامة، ليبدأ سريانه مطلع نوفمبر الجاري ويمتد حتى آخر أكتوبر 2027 وسط احتقان إقليمي متصاعد.
ويمنح هذا التفويض المؤسسة العسكرية صلاحيات مباشرة للتحكم في الموارد البشرية والمادية بادعاء الإجراء الروتيني، بينما يرسخ عملياً قبضة السلطة التنفيذية ويهمش الرقابة المدنية تحت مظلة الاستعداد لمواجهة الأزمات.
تمدد الصلاحيات العسكرية على حساب المدنيين
بالإضافة إلى ذلك، يستند القرار الصادر في سبتمبر الماضي إلى القانون رقم 87 لسنة 1960، ليفوض وزير الدفاع في المواد 9 و12 و24 المرتبطة بأوامر التكليف الإجباري وإجراء تجارب التعبئة.
وعلى الرغم من بقاء سلطة إعلان التعبئة العامة بيد قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي، فإن تمرير هذه المواد يمنح الجيش صلاحية استدعاء المدنيين وتكليفهم بأعمال تخدم المجهود الحربي أو مواجهة الكوارث دون إعلان حالة حرب رسمية.
ومن ناحية أخرى، تحصر المادة 12 آليات الاعتراض على أوامر التكليف داخل دوائر ضيقة خاضعة للسلطة ذاتها، مما يجرد المواطنين والمهنيين من ضمانات التقاضي المستقل أمام القرارات السيادية المفاجئة.
وفي هذا السياق، تتيح المادة 24 تنفيذ تدريبات اختبارية واسعة على التعبئة، وهو ما يفتح الباب أمام إخضاع القطاعات الخدمية والاقتصادية لتجارب تعبئة قسرية تربك الحياة المدنية وتفرض واقعاً عسكرياً.
وفي المقابل، تروج وسائل الإعلام الرسمية للقرار باعتباره إجراءً تنظيمياً يتكرر منذ نوفمبر 2013 وأكتوبر 2025، في محاولة لتطبيع العمل بالقوانين الاستثنائية وتحويل التدابير الطارئة إلى ممارسة إدارية اعتيادية.
وعلاوة على ذلك، يتجاهل الخطاب الرسمي الفجوات الزمنية في إصدار هذه القرارات عبر السنوات الماضية، مكتفياً بتصريحات اللواء سمير فرج لتهدئة الرأي العام ونفي ارتباط الخطوة بأي استعدادات قتالية.
وبناءً على ذلك، يؤكد الدكتور عمرو الشوبكي، الباحث السياسي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن التوسع في تفويض الصلاحيات الاستثنائية يفرغ المؤسسات التمثيلية من دورها الرقابي ويكرس غياب الشفافية في إدارة الملفات السيادية.
كما يوضح الشوبكي أن تحويل القوانين المرتبطة بحالات الطوارئ والحروب إلى إجراءات سنوية معتادة يضعف دولة القانون، ويجعل المجتمع في حالة استنفار دائم تبرر تقليص الحقوق المدنية بدعوى الضرورة.
إحكام السيطرة الميدانية وتجاوز الرقابة الدستورية
وفضلاً عن البعد القانوني، يهدف التفويض إلى تسريع وتيرة إصدار أوامر التكليف وتنظيم التجارب الميدانية مباشرة من مكتب وزير الدفاع، لتجاوز أي تعقيدات إجرائية أو مراجعات حكومية.
وبالتالي، تتركز سلطة تحريك الموارد البشرية والمادية في يد المؤسسة العسكرية وحدها، مما يعزز عسكرة الجهاز الإداري للدولة ويضع الكفاءات المدنية والقطاعات الإنتاجية تحت التصرف المباشر للقيادة العسكرية.
ومع ذلك، لا يضيف هذا الإجراء أي قدرات قتالية حقيقية للجيش ولا يرفع ميزانية التسليح، بل ينصب تركيزه على إحكام السيطرة الداخلية وضبط حركة المجتمع تحت لافتة الجاهزية.
ولهذا السبب، تستدعي الأبواق الإعلامية سرديات تاريخية حول هزيمة يونيو 1967 لتبرير خطط التعبئة، مستغلة المخاوف الوطنية لتمرير سياسات تفرض الوصاية العسكرية على الموارد المدنية دون مساءلة.
ومن جهته، يرى الدكتور يزيد صايغ، الباحث الرئيسي بمركز كارنيغي للشرق الأوسط، أن تجديد تفويضات التعبئة يعكس رغبة النظام في إبقاء المفاصل الحيوية للدولة والاقتصاد رهن الإشارة العسكرية المباشرة.
ويضيف صايغ أن هذه الآليات القانونية تمنح المؤسسة العسكرية غطاءً رسمياً للتدخل في إدارة الأزمات الداخلية والقطاعات المدنية، مما يعمق هيمنتها البنيوية دون الحاجة لإعلان حالة الطوارئ بصورتها التقليدية.
توظيف التوترات الإقليمية لتبرير القبضة الأمنية
ومن زاوية أخرى، يتزامن سريان القرار في نوفمبر الحالي مع تصعيد إقليمي خطير وتوترات مستمرة في اليمن والبحر الأحمر، مما يضفي أبعاداً سياسية تتجاوز التفسير التنظيمي المحدود.
ولذلك، تحرص البيانات الإعلامية المرافقة للقرار على ربطه برفع درجات الاستعداد للتعامل مع المتغيرات الدولية، في رسالة مزدوجة تستهدف الداخل القلق من الأوضاع الاقتصادية والخارج المضطرب أمنياً.
كما يستند هذا التوجه إلى سوابق قريبة شملت تفويضات برلمانية لدعم تحالفات إقليمية، مما يثير تساؤلات جوهرية حول احتمالات توريط البلاد في صراعات خارجية دون توافق وطني أو نقاش مجتمعي.
وإلى جانب ذلك، توظف السلطة حالة الاستقطاب الإقليمي لتبرير استمرار العمل بترسانة القوانين العائدة لستينيات القرن الماضي، وإغلاق المجال العام أمام أي تساؤلات حول أولويات الإنفاق والأمن القومي.
وفي هذا الإطار، يشير الدكتور مصطفى كامل السيد، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، إلى أن استدعاء المخاطر الإقليمية لتمرير تفويضات عسكرية واسعة يمثل أداة سياسية لصرف الأنظار عن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة.
ويشدد السيد على أن مواجهة التحديات الإقليمية تتطلب بناء جبهة داخلية متماسكة تقوم على المشاركة السياسية والمحاسبة الدستورية، وليس الانفراد بالقرارات السيادية وتوسيع صلاحيات التكليف والتعبئة بمعزل عن المجتمع.
وفي النهاية، يظل قرار قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي حلقة جديدة في مسار طويل يطوع النصوص القانونية لخدمة السلطة، ويحول الإجراءات الاستثنائية إلى قاعدة دائمة تحكم العلاقة بين الدولة والمجتمع.

