يرى طارق مجريسي، الباحث المتخصص في الشؤون الليبية، أن تصديق مجلس النواب الليبي، المتمركز في شرق البلاد، على الاتفاق البحري بين ليبيا وتركيا أطلق سلسلة من التداعيات السياسية التي قد تتجاوز حدود البلدين، وتعيد رسم موازين القوى في منطقة شرق البحر المتوسط.
وبينما قد يحقق الاتفاق مكاسب قصيرة الأجل لأنقرة، يثير تساؤلات جوهرية بشأن قدرتها على الوثوق بصدام حفتر، نجل المشير خليفة حفتر، في ظل سجل سياسي لا يدعو إلى الاطمئنان.
وفي تحليل نشرته المجلة، يحذر مجريسي من أن التصديق على الاتفاق لا يقتصر على إضفاء الشرعية على التفاهمات البحرية بين طرابلس وأنقرة، بل يفتح المجال أمام تركيا لتنفيذ اتفاقات أخرى وقعتها مع الحكومة الليبية، من بينها إجراء مسوحات زلزالية في عدد من القطاعات البحرية، قد تتعارض مع المصالح المصرية، فضلًا عن تعزيز موقف أنقرة في خلافها مع اليونان بشأن ترسيم المناطق الاقتصادية في البحر المتوسط.
وقد يؤدي ذلك إلى اندلاع مواجهة عسكرية جديدة شبيهة بأزمة عام 2020، كما قد يجر ليبيا إلى صراع إقليمي أوسع بين تركيا من جهة، والاتحاد الأوروبي وإسرائيل من جهة أخرى. وفي ظل تعاقد اليونان مع شركة «شيفرون» الأمريكية العملاقة للطاقة للتنقيب في المياه الواقعة جنوب جزيرة كريت، والتي تطالب ليبيا أيضًا بالسيادة عليها، قد تجد الولايات المتحدة نفسها منخرطة في النزاع دفاعًا عن مصالحها الإقليمية واستراتيجيتها في قطاع الطاقة.
اتفاق بحري يعيد ترتيب موازين القوى في ليبيا
لا تحدث التطورات الليبية بمعزل عن الضغوط الجيوسياسية، بحسب مجريسي، الذي يربط تصديق مجلس النواب على الاتفاق بمناورة سياسية سبقت القرار، استهدفت إقصاء رئيس المجلس السابق عقيلة صالح، الذي شغل المنصب لمدة 12 عامًا، وكان يتمتع بعلاقات وثيقة مع القاهرة، كما عرقل طويلًا التصديق على الاتفاق، نظرًا إلى تداعياته المحتملة على المصالح المصرية والتوازنات الدولية القائمة في ليبيا، فضلًا عن تهديده قدرته على الاحتفاظ بمنصبه.
وفي مطلع أكتوبر، خلف الصالحَ في رئاسة المجلس الصالحين عبد النبي العبيدي، في خطوة هندسها صدام حفتر، نجل المشير خليفة حفتر، القائد العسكري الفعلي لشرق ليبيا.
ولا يقتصر تأثير تغيير رئيس مجلس النواب على الجانب الإداري، إذ حوّل عقيلة صالح المنصب، الذي كان ذا طابع بروتوكولي إلى حد كبير، إلى مركز فعلي لاتخاذ القرار داخل المجلس. وحقق ذلك عبر تجاوز القواعد البرلمانية، وعقد جلسات تصويت دون اكتمال النصاب القانوني، أو الادعاء بتلقي أصوات النواب عبر تطبيق «واتساب» عندما تقتضي المصلحة السياسية ذلك.
ويشير مجريسي إلى أن الأمم المتحدة وأطرافًا أوروبية مؤثرة غضت الطرف عن هذه الممارسات عندما اقتضت مصالحها السياسية ذلك، ما أسهم، دون قصد، في ترسيخ آلية سياسية باتت تعمل ضد مصالحها حاليًا. وسار رئيس المجلس الجديد على النهج نفسه، فعقد جلسة تصويت مغلقة بشأن الاتفاق البحري، انتهت بموافقة بالإجماع، وهي النتيجة التي أرادها صدام حفتر.
ويشكل ذلك مكسبًا لمساعي حفتر الابن للوصول إلى الرئاسة أو إحكام قبضته الفعلية على ليبيا بأكملها. ورغم تحول مشروع حكم صدام حفتر إلى هدف للدبلوماسية الأمريكية والعملية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة، إلى جانب حصوله على دعم أطراف متباينة، من الإمارات وروسيا إلى فرنسا، لا يزال المشروع يصطدم بعقبة أساسية، تتمثل في رفض قطاع واسع من الليبيين، ولا سيما سكان غرب البلاد الأكثر كثافة سكانية، توليه الحكم.
ومن خلال إظهار قدرته على تلبية مطلب أنقرة القديم بالتصديق على الاتفاق، وتقديم عروض تجارية وشراكات عسكرية، يبدو أن صدام حفتر يسعى إلى استمالة تركيا للاستفادة من نفوذها في غرب ليبيا، بما يساعده على الوصول إلى السلطة.
وتقدم الرسائل الإعلامية الصادرة عن مكاتب صدام ووسائل الإعلام المتحالفة معه التصديق على الاتفاق باعتباره خطوة مسؤولة تخدم المصلحة الوطنية وتدعم وحدة ليبيا. وفي الوقت نفسه، يسعى حفتر الابن إلى فرض محافظ جديد للمصرف المركزي الليبي عبر مجلس النواب، بما يخدم طموحاته السياسية.
ردود الفعل الدولية ومخاطر التصعيد الإقليمي
أثارت اليونان وحلفاؤها الأوروبيون ردود فعل غاضبة، فأصدروا بيانات شديدة اللهجة حمّلوا فيها تركيا المسؤولية، ووصفوا الاتفاق بأنه «باطل ولاغٍ» ومخالف للقانون الدولي. ويرى مجريسي أن هذه الاستجابة تعكس محدودية قدرتهم على تغيير الواقع، وتتجاهل دورهم في الوصول إلى هذه النتيجة عبر إجهاض البدائل المحتملة.
وعلى الرغم من تقاليدهما الديمقراطية الراسخة، أدت اليونان وفرنسا دورًا محوريًا في إعادة تأهيل صورة عائلة حفتر داخل ليبيا وعلى الساحة الدولية، كما وفرتا لها الحماية من المساءلة عقب هزيمتها في حرب طرابلس. وكانت تلك الحرب نتيجة محاولة سابقة لتمكين حفتر من السيطرة على ليبيا بأكملها، وأسهمت في ترسيخ وجود روسيا وتركيا داخل الصراع.
وأفضت الحرب إلى التوقيع الأولي على الاتفاق البحري مع الحكومة الليبية في طرابلس، وهو ما دفع اليونان ودولًا أوروبية أخرى إلى العودة لسياسة تمكين حفتر، بهدف إضعاف حكومة طرابلس، وتسهيل صعود «رجل قوي» يمكنها التعامل معه، ومواجهة النفوذ التركي في غرب ليبيا، وهو النفوذ الذي أسهمت سياساتها السابقة في تمكينه. ويجسد ذلك، بحسب الكاتب، النزعة الأوروبية إلى التفكير التكتيكي قصير الأجل، التي تعاني منها عملية صنع السياسة الخارجية في القارة.
واستمر التفاؤل الأوروبي رغم تنامي اعتماد عائلة حفتر على روسيا، خصم أوروبا، واستخدامها تدفقات الهجرة وسيلة للضغط على أثينا ودول جنوب أوروبا الأخرى. وفي نهاية المطاف، خرج الحاكم السلطوي الذي ساعدت تلك الدول على صناعته عن سيطرتها، وبدأ التعاون مع خصومها لتعزيز مصالحه على حساب مصالحها.
وتواجه مصر مأزقًا مشابهًا، بعدما أدت دورًا رئيسيًا في حماية حفتر عقب إخفاقه العسكري عام 2019، جزئيًا لمواجهة النفوذ التركي في ليبيا، وهو النفوذ الذي أسهمت سياسة القاهرة الداعمة لحفتر نفسها في تعزيزه. ورغم تعارض الاتفاق البحري مع الرؤية المصرية لترسيم الحدود البحرية، واحتمال شروع المؤسسة التركية للبترول في إجراء مسوحات داخل تلك المياه، فإن التحدي الأكبر أمام القاهرة يتمثل في خسارة عقيلة صالح، وصعوبة الحفاظ على علاقات متوازنة مع جميع الأطراف.
ويتيح تحسن العلاقات التركية المصرية، إلى جانب المصالح المشتركة في استغلال احتياطيات الغاز، فرصة مهمة للتوصل إلى اتفاق يسوي الخلافات البحرية بين البلدين. لكن التحدي الأصعب يتمثل في الحفاظ على نفوذهما داخل ليبيا، وبناء علاقات أوثق مع حكومة طرابلس ومراكز القوى الأخرى في شرق البلاد لتعويض خسارة حلفائهما السابقين.
كما سيجد البلدان صعوبة في تجنب الانجرار إلى تصاعد العداء بين اليونان وأوروبا وإسرائيل من جهة، وتركيا من جهة أخرى، نظرًا إلى ارتباط مصالحهما بجميع الأطراف المعنية، ما يفرض عليهما ضرورة الموازنة الدقيقة في علاقاتهما.
أما الولايات المتحدة، التي تبدو مرتاحة حاليًا لإبقاء مسافة بينها وبين التطورات، وترى أن الخطوة تخدم أهدافها الاستراتيجية في ليبيا، فقد لا تتمكن من الحفاظ على هذا الموقف المنفصل طويلًا. إذ قد تدفعها ضغوط جماعات الضغط اليونانية القوية، والمصالح المحتملة لشركة «شيفرون» المهددة، والنفوذ الإسرائيلي، إلى محاولة الحد من تداعيات الاتفاق.
وقد تدرك واشنطن لاحقًا أن استقلال تركيا في إنتاج الطاقة يتعارض مع رؤيتها الاستراتيجية الرامية إلى الاحتفاظ بحصة مؤثرة في تدفقات الطاقة الواصلة إلى أوروبا عبر البحر المتوسط.
ويرى مجريسي أن هذه التعقيدات المتشابكة في ليبيا المنقسمة ينبغي أن تشكل تحذيرًا لتركيا، التي قد تكتشف قريبًا أنها لم تحقق الأمر الواقع الذي سعت إليه، بل فتحت فصلًا جديدًا من الصراع والانقسام والمواجهة.
فرص الدبلوماسية وحدود المكاسب التركية
على الرغم من ردود الفعل الحادة إزاء التصديق على الاتفاق، فمن غير المرجح أن تشهد الأوضاع البحرية تغيرات كبيرة في المستقبل القريب. إذ تقع معظم القطاعات التي تعتزم المؤسسة التركية للبترول إجراء مسوحات فيها داخل المياه الليبية بوضوح، بينما تظل هناك مساحة للتفاوض مع مصر بشأن القطاع الوحيد الذي لا ينطبق عليه ذلك. وبالنظر إلى بطء تنفيذ هذه المشروعات، لا يمثل الأمر تهديدًا وشيكًا.
إلى جانب ذلك، تسعى الحكومة اليونانية إلى الدخول في مفاوضات مع ليبيا لتسوية الخلاف المتعلق بجزيرة كريت، وهو هدف أكثر محدودية وقابلية للتحقيق مقارنة بإلغاء الاتفاق بأكمله. لكن فشل المساعي الدبلوماسية قد يدفع قطاعين بحريين جنوب كريت، حيث تجري «شيفرون» وشركة الطاقة اليونانية «هيلينيك إنرجي» بالفعل أعمال مسح، إلى إشعال مواجهة شبيهة بما حدث قبالة قبرص عام 2020، عندما أرسلت تركيا سفنًا حربية لعرقلة مشروعات في مياه متنازع عليها، ما أدى إلى مواجهة مع فرنسا.
غير أن التداعيات السياسية تبدو أكثر إلحاحًا من التطورات البحرية. إذ يعمق التصديق على الاتفاق الانقسام الجيوسياسي في المنطقة بين إسرائيل واليونان وقبرص من جهة، وتركيا من جهة أخرى، وقد يدفع إلى تطورات تتجاوز ملف استخراج الغاز، وتمتد إلى ساحات أخرى من الشرق الأوسط حتى القرن الأفريقي، بل قد ترتد آثارها على ليبيا نفسها.
ورغم اعتقاد صدام حفتر أنه فرض أمرًا واقعًا، لا تزال حكومة طرابلس تحتفظ بثقل سياسي وقانوني باعتبارها الطرف الذي وقّع الاتفاق، ما يعني أن تركيا لا تستطيع التخلي عنها ببساطة. وينبغي لأنقرة أن تستفيد من دروس اليونان وفرنسا ومصر وغيرها؛ فإذا نجح صدام حفتر في تحقيق طموحاته وبسط نفوذه على طرابلس، أو إذا عجزت الأطراف التي تدعمه عن الوفاء بتعهداتها وتسهيل اتفاق مستحيل يوصله إلى الرئاسة، فقد تجد تركيا نفسها فجأة خارج المعادلة.
ويخلص الكاتب إلى أن التطورات الأخيرة تكشف محدودية الرهان على تحقيق مكاسب قصيرة الأجل عبر الوكلاء والحلفاء المحليين، إذ لا يضمن هذا النهج الوصول إلى النتائج الاستراتيجية المنشودة على المدى البعيد. وفي المقابل، قد يحقق توجيه الوقت والجهد ورأس المال نحو أهداف أكثر استدامة مكاسب استراتيجية أكبر، ويجنب الأطراف الانزلاق إلى صراعات يصعب التحكم في مساراتها.
https://en.majalla.com/node/333840/politics/libya%E2%80%99s-east-med-time-bomb-goes

