تتصاعد التساؤلات الإقليمية والدولية حول قدرة دول الخليج على إنهاء الحرب المشتعلة بين واشنطن وطهران، وتقديم مخرج سياسي يضمن حفظ ماء وجه الرئيس دونالد ترامب، بالتزامن مع تزايد الحديث عن رغبة الطرفين في التفاوض العاجل.
وفي هذا السياق، تؤكد تحليلات غربية صادرة عن باحثين في مراكز واشنطن للدراسات، أن الممالك العربية تمتلك فرصة تاريخية للعب دور الوسيط الحيوي، من أجل مساعدة الطرفين على تجنب تسويات مذلة قد تفجر المنطقة مستقبلاً.
مأزق عسكري ومسار دبلوماسي متعثر
وبناءً على المعطيات الميدانية، مثلت المواجهة العسكرية الأخيرة فشلاً استراتيجياً فادحاً لجميع الأطراف؛ فرغم نجاح واشنطن وتل أبيب في تدمير بعض القطع البحرية الإيرانية، إلا أنهما عجزتا عن إسقاط النظام أو تدمير برنامجه النووي.
علاوة على ذلك، أظهرت 8 أشهر متواصلة من القتال العنيف والضغوط المكثفة عجز القوات الأمريكية عن إعادة فتح مضيق هرمز الاستراتيجي، وهو الممر المائي الحيوي الذي لم يكن مغلقاً بالأساس عند اندلاع شرارة المعارك.
من جهتها، أثبتت طهران قدرة لافتة على الصمود في وجه موجات القصف الجوي المكثف، غير أنها بقيت عاجزة عن كسر طوق الحصار الاقتصادي الأمريكي الخانق، وفشلت تماماً في تحييد التهديدات العسكرية المستمرة ضد أراضيها.
ونتيجة لهذا المأزق، كان من المفترض نظرياً أن يدفع هذا الانسداد الميداني المؤلم كلا الجانبين نحو الحلول الدبلوماسية، غير أن واشنطن وطهران أظهرتا عجزاً واضحاً عن تقديم التنازلات المتبادلة الضرورية لإبرام أي اتفاق تسوية.
ومن المفارقات التاريخية، أن هناك سوابق تفاوضية واضحة تخلت فيها إيران عن سلوكيات محددة مقابل مكاسب مالية واعتراف سياسي، مثل اتفاقيات الجزائر عام 1981 للإفراج عن الرهائن، والاتفاق النووي التاريخي الموقع عام 2015.
ومع ذلك عملياً، يطالب ترامب بتنازلات نووية شاملة لتبرير حربه وقراره السابق بالانسحاب من الاتفاق النووي، في حين ترفض القيادة الإيرانية بصورة قاطعة القبول بمكاسب تقل عما نالته بموجب مذكرة التفاهم في شهر يونيو.
خطة خليجية لإنقاذ ماء الوجه
وفي ظل هذه العقدة، يبرز مقترح تولي دول الخليج رعاية وقف إطلاق النار كطوق نجاة، عبر تقديم دعم اقتصادي مباشر لطهران مقابل فتح الملاحة بهرمز، مما يتيح للأمريكيين إنهاء حصارهم البحري بكرامة ودون تراجع مهين.
وتأسيساً على هذا التصور، يمتلك الشركاء الخليجيون السيولة الكافية والدوافع الأمنية لتقديم تمويلات إنسانية ومشاريع لإعادة الإعمار في إيران، وهو المقابل المادي الذي تعجز الإدارة الأمريكية عن دفعه لطهران مباشرة لتفادي الحرج السياسي الداخلي.
وبالمثل، يتضمن الاتفاق التزام إيران بوقف استهداف السفن التجارية والمنشآت الخليجية، مقابل تدشين آلية أمنية مؤقتة لتجنب الصدام في الممرات البحرية، تعترف بنفوذ طهران في المضيق دون فرض سوابق تضر بقوانين التجارة الدولية.
وفضلاً عن التدابير الاقتصادية، تتعهد العواصم الخليجية باستخدام ثقلها الدبلوماسي ونفوذها لدى واشنطن لمنع شن ضربات عسكرية مستقبلية ضد طهران، وهو ما يشكل ضمانة أمنية حيوية لإيران التي تخشى تجدد العمليات الحربية الأمريكية والإسرائيلية.
ومن زاوية المكاسب السياسية، يستطيع ترامب تسويق هذا التراجع الداخلي كانتصار باهر للناخبين، مدعياً أنه حمى أسواق النفط العالمية من اشتعال الأسعار، دون أن يقدم تنازلات نووية أو أموالاً لإيران كتلك التي قدمتها إدارة أوباما.
وفي المقابل تماماً، ستحقق طهران مكاسب مالية فورية وتقلص الهيمنة الأمريكية بالمنطقة؛ إذ إن أي خرق مستقبلي للاتفاق من جانب واشنطن أو تل أبيب سيؤدي تلقائياً إلى نسف مصداقية الولايات المتحدة ومكانتها لدى حلفائها الخليجيين.
تحديات معقدة واختبارات أمنية صعبة
وعلى الصعيد العملي، شرعت الأطراف الإقليمية بالفعل في استكشاف المسارات الدبلوماسية؛ حيث زار مسؤولون سعوديون العاصمة طهران في 26 أكتوبر، لعقد مباحثات مكثفة بمشاركة قادة بارزين من دولتي باكستان وتركيا لتهدئة التوترات المشتعلة.
ورغم تعثر لقاء صلالة العمانية في 14 سبتمبر الماضي لبحث أزمة المضيق، فإن اللجوء إلى اتفاقيات ثنائية منفردة قد يمنح طهران فرصة لتعميق الانقسامات الخليجية ورفع سقف مطالبها، بدلاً من التوصل إلى إطار إقليمي موحد.
لذلك يبرز التماسك الخليجي كشرط جوهري للنجاح، وهو ما يتطلب تجاوز الخلافات المكتومة بين دولتين خليجيتين رئيسيتين هما السعودية والإمارات، من أجل بلورة موقف تفاوضي متين يحمي مصالح المنظومة الخليجية ويفرض احترامه على الجميع.
وبالإضافة إلى ذلك، تظل هجمات الحوثيين المدعومة إيرانياً منذ يوليو الماضي، وضربات الفصائل العراقية التي عطلت خط أنابيب النفط السعودي في 10 سبتمبر، اختباراً حرجاً لمدى قدرة طهران على كبح أذرعها وتقديم بوادر حسن نية.
وحتى في حال إبرام الهدنة، فإن الاتفاق لن يستأصل الجذور العميقة للنزاع المتمثلة في السلاح النووي والميليشيات؛ لكن استمرار الحرب سيمنح دعاة تغيير النظام في واشنطن وتل أبيب زخماً إضافياً لجر المنطقة إلى مواجهة شاملة ومفتوحة.
وختاماً لهذا المشهد المعقد، تبقى التسوية البحرية برعاية خليجية أفضل الخيارات المتاحة، والممر الإجباري الوحيد لإنهاء حالة الجمود العسكري المؤلم، ونزع فتيل صراع مدمر يهدد بابتلاع استقرار الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة لسنوات طويلة قادمة.

