وائل قنديل

كاتب صحافي مصري

 

هزيمة مجرم الحرب بنيامين نتنياهو في انتخابات الكنيست الإسرائيلي ليست بأهمية هزيمته في انتخابات الرئاسة البرازيلية، ذلك أنه سواء حافظ الصهيوني علي منصبه رئيسًا لحكومة الاحتلال أو خسر فإن تغيّرًا حقيقيًّا لن يحدث فيما خص سياسات الكيان الصهيوني تجاه الفلسطينيين والعرب، إذ منافسه الجنرال غادي أيزنكوت ليس أقلّ منه كراهية للإنسان العربي، كما أنه ليس أقلّ منه تطرّفًا في التشبث بأوهام الهيمنة الإسرائيلية على الشرق الأوسط.

 

مهما كانت مخرجات الانتخابات الإسرائيلية النتيجة واحدة. سيواصل صهيوني سياسات الاقتلاع والإلغاء لكل ما هو عربي داخل الأراضي المحتلة، بل إنه حالما فاز أيزنكوت سيكون أكثر إجرامًا وإرهابًا، لكي يثبت للناخب الصهيوني أنه الأقدر على تحقيق الحلم الصهيوني، والأجدر بالقيادة من أجل الحفاظ على"الدولة"، في ظل تأسيس منافسه نتنياهو دعايته الانتخابية على فكرة إنقاذ الكيان الصهيوني من الفناء، كما عبّر عن هذا في الساعات الأخيرة من عملية الاقتراع، وهو يصيح مثل المجنون من أقبية التاريخ الأسود "اخرجوا للتصويت لي قبل ضياع إسرائيل"، وهي الصيحة نفسها التي دوّت علي ألسنة سفاحي الصهيونية الدونية الذين جابوا الساحات والشواطئ لحث المستوطنين على التدافع نحو الصناديق لإنقاذ الكيان قبل أن يصبح واحد من عرب الداخل وزيرًا للأمن الداخلي، وآخر من أصول عربية رئيسًا للحكومة، والمقصود الجنرال أيزنكوت المنحدر من أصول مغربية.

 

يقول لنا التاريخ إن أحط أنواع المجرمين الصهاينة وأكثرهم تطرفًا ولدوا في بلاد عربية قبل أن يهاجروا إلي الكيان وينهشوا فلسطين لحمًا وعظمًا، ومن أشهر هؤلاء كان "شارون الصغير" أو بنيامين فؤاد بن أليعازر المولود في العراق والذي هاجر وهو في عمر الثلاثة عشر سنة إلي"إسرائيل" بعد عام من قرار التقسيم، لينشأ على عقيدة محو الوجود الفلسطيني داخل فلسطين، ثم تخرج من الدراسة وتدرج في المناصب العسكرية حتي وصل إلى رتبة وزير الحرب في جيش الاحتلال في حكومة شارون 2001، التي أسندت إليه مهمة القضاء علي انتفاضة الأقصى فقتل في بضعة أشهر أكثر من 600 شهيد فلسطيني وجرح 20 ألفًا. وكان التعريف المشهور عنه أنه الشخص الذي لا يعترف بحق الفلسطينيين في الوجود داخل القدس‏ المحتلة، وضرورة التوسّع الاستيطاني في كل مكان داخل فلسطيني، مسكونًا باعتقاد راسخ بأنه لا توجد غير قدس واحدة، هي عاصمة أبدية للدولة العبرية، لضمان بقاء إسرائيل.

 

لذلك كه وغيره، إعادة انتخاب لولا دا سيلفا رئيسًا للبرازيل، في لحظة بائسة تتساقط فيها دول أميركا الجنوبية مثل الثمار الناضجة في حجر تحالف الترامبية والصهيونية، تبقى انتصارًا لفلسطين وللإنسانية ولقيم محترمة كادت تندثر في ظل التوغّل الصهيوني في دول القارّة، والذي وصل إلى أن كولومبيا الدولة التي كانت أكثر عروبة من العرب في كفاحها من أجل الحق الفلسطيني في المحافل الدولية ضد حرب الإبادة الجماعية في غزّة أصبحت أكثر صهيونية من الإسرائيليين في التعصب للاحتلال، بعد مساعدة شخص يدين بالولاء للصهاينة على الفوز برئاسة الجمهورية. فاز دا سيلفا علي تحالف ضم اليمين الأميركي المتصهين والصهيونية الدينية الإسرائيلية وإيلون ماسك صاحب منصة إكس، والثاني مؤسس فيسبوك الصهيوني مارك زوكربيرغ، وعتاة الأوليغارشية والنيوليبرالية العالمية المتوحشة، بعد أن هيمن هؤلاء الأوغاد علي مؤسّسات الحكم في فنزويلا والأرجنتين، وهو فوز عظيم وحدث استثنائي في أهميته أن تمنى "الصهيو ترامبية" بالهزيمة في كبرى دول أميركا اللاتينية، فأن يفوز أصدقاء لفلسطين وداعمون لحق الشعب الفلسطيني ضد خصوم مدعومين من الصهاينة فهذا، بمعني ما، انتصار لفلسطين، مثلما فاز جيرمي كوربين زعيم حزب العمّال البريطاني السابق ورمزه الأشهر بمقعد في مجلس العموم في العام 2024 وهو يرفع شعار"إذاأعدْت انتخابي نائبًا مستقلًا في إسلينغتون نورث،  أعدك بأن أدافع دائمًا عن شعب غزّة، وعن الطريق الوحيد لتحقيق سلام عادل ودائم: إنهاء احتلال فلسطين".

 

كان هذا هو المكسب الكبير الذي يستحق الاحتفال والتهنئة، وليس التعلق بانتخابات إسرائيلية سوف تفرز في كل الأحوال قاتلًا جديدًا ومجرمًا آخر يتولي قيادة المشروع الذي هو التجسيد الكامل للظلم والشر. السؤال الآن: من هو العربي الأول الذي سيبادر إلى تهنئة القاتل الجديد، كما جرى في بداية العام 2023 حين انفرد عبد الفتاح السيسي بأسبقية التهنئة لأكثر حكومات الاحتلال الصهيوني إجرامًا وتطرفًا ودموية، والتي ضمت بن غفير وسموتريتش؟.