أكد الكاتب مصطفى عبد السلام، رئيس قسم الاقتصاد في موقع وصحيفة «العربي الجديد»، أن هناك عشرات المبررات التي قد تستند إليها الدولة المصرية لتفسير قرار البرلمان تفويض القيادة السياسية باتخاذ إجراءات دفاعية لدعم السعودية، وفي مقدمتها الحفاظ على الأمن القومي المصري، ودعم استقرار أمن الخليج الذي تعتبره القاهرة جزءًا لا يتجزأ من أمنها القومي، وحماية المنشآت الحيوية في المملكة، والتأكيد على أن هذا الدعم ذو طبيعة دفاعية وليس هجومية، ويندرج ضمن جهود الدفاع عن أمن مصر والسعودية وسيادتهما.

 

وتناول الكاتب أبعادًا أخرى لهذا القرار، من بينها حماية مصالح الدولة المصرية في البحر الأحمر وباب المندب والقرن الأفريقي، والمحافظة على إيرادات قناة السويس، التي تعد أحد أبرز مصادر النقد الأجنبي للدولة، فضلًا عن ضمان حرية التجارة العالمية في الاتجاهين بين الشرق والغرب، وتأمين الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

 

واستعرض عبد السلام عوامل اقتصادية محتملة قد تترتب على القرار المصري المتعلق بالدعم العسكري للسعودية، من بينها تعزيز الاقتصاد المصري ودعم الاستقرار المالي في البلاد، عبر احتمال الحصول على دعم سعودي جديد وسخي، على غرار ما حدث عام 2013، أو تأجيل سداد جزء من الديون الخليجية الضخمة المستحقة على مصر أو إسقاط بعضها.

 

وأوضح الكاتب أن هذه الاحتمالات تكتسب أهمية خاصة في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها الاقتصاد المصري، وما يواجهه من أزمات متعددة وأعباء ضخمة للدين الخارجي، إلى جانب ارتفاع كلفة الواردات وعجز تجاري يتجاوز 60 مليار دولار خلال العام المالي الأخير. وقد يسهم أي دعم مالي محتمل في تخفيف الضغوط الشديدة على سوق الصرف، والمساعدة في الحفاظ على احتياطي النقد الأجنبي لدى البنك المركزي المصري.

 

 

تجربة 1991.. هل تتكرر مقايضة الدعم العسكري بإعفاء الديون؟

 

وأشار الكاتب إلى تجربة عام 1991، حين أعفت الولايات المتحدة مصر من ديون عسكرية بلغت قيمتها 7.1 مليارات دولار، عقب مشاركة القوات المصرية في التحالف الدولي لتحرير الكويت بعد حرب الخليج الثانية.

 

وأضاف أن عددًا من الدول الخليجية والعربية، بينها السعودية والكويت والإمارات وليبيا، أعلن في ذلك الوقت شطب ديون مستحقة على مصر بنحو ستة مليارات دولار، فيما قرر نادي باريس إعفاء مصر تدريجيًا من نصف ديونها، التي تجاوزت 20 مليار دولار آنذاك. وانتهت مشاركة مصر في تحالف حرب الخليج، وفق ما أورده الكاتب، بإسقاط نحو 50% من دينها الخارجي، بما يعادل 33 مليار دولار.

 

وتناول عبد السلام التكهنات التي أثيرت عقب إعلان البرلمان المصري قرار إرسال دعم عسكري إلى السعودية للدفاع عنها في مواجهة هجمات الحوثيين، موضحًا أن أبرز هذه التوقعات تمثل في احتمال تمديد أجل وديعة سعودية لدى البنك المركزي المصري تبلغ قيمتها 5.3 مليارات دولار، ويحل موعد سدادها في هذه الأيام، إلى جانب فوائد قدرها 267 مليون دولار.

 

واستعرض الكاتب احتمالات أخرى، من بينها إسقاط السعودية جزءًا من ديونها المستحقة على مصر، أو تحويل ودائعها لدى البنك المركزي المصري، البالغة 10.3 مليارات دولار، إلى استثمارات مباشرة، على غرار التجربة الإماراتية في مشروع رأس الحكمة.

 

ولفت إلى أن الحفاظ على أوضاع المصريين العاملين في السعودية، الذين يبلغ عددهم نحو 1.4 مليون شخص، يمثل عاملًا مهمًا في هذه الحسابات، لا سيما أن تحويلاتهم المالية تجاوزت ثمانية مليارات دولار خلال العام المالي 2023/2024، مع احتمال زيادة أعدادهم. واعتبر أن هذا الملف يحمل أهمية خاصة لمصر في مرحلة ما بعد صندوق النقد الدولي.

 

 

العائد المحتمل في مواجهة مخاطر التصعيد

 

وأكد الكاتب أن هذه التوقعات والتخمينات والتحليلات الفردية، بصرف النظر عن مدى دقتها، تفتح الباب أمام سؤال جوهري: هل يبرر العائد السياسي والاقتصادي المحتمل لمصر، مقابل المشاركة في دعم السعودية عسكريًا، اتخاذ هذا القرار الخطير، الذي قد يسهم في تصعيد التوتر بين المملكة والحوثيين، وكذلك بين مصر والحوثيين؟

 

وأضاف أن الإجابة عن هذا السؤال وغيره لا تزال سابقة لأوانها، موضحًا أن قرار البرلمان وُصف بأنه غير هجومي، ولم يُنفذ بعد على أرض الواقع أو يتحول إلى إجراء فعلي. كما لم تعلن الجهات المسؤولة في الدولة المصرية حتى الآن إرسال جنود مصريين إلى المملكة.

 

وأشار عبد السلام إلى أن البرلمان لم يحدد طبيعة الدعم العسكري الذي قد تقدمه القاهرة للسعودية، كما لم يصدر عن أي طرف في القاهرة إعلان بشأن قرار مرتقب لإرسال قوات مصرية إلى اليمن. وأكدت الدولة المصرية، بحسب ما أورده الكاتب، في مناسبات عدة أن تحركات قواتها تأتي في إطار دفاعي لحماية الأراضي السعودية، وليس بهدف شن هجمات على اليمن أو الحوثيين، مع احتمال ألا تطلب السعودية أصلًا إرسال جنود مصريين للدفاع عن أراضيها.

 

واستعرض الكاتب احتمال رفض القاهرة أي طلبات تتعلق بإدخال قواتها إلى الأراضي اليمنية وشن هجمات على الحوثيين، مستندة في ذلك إلى التجربة المريرة التي شهدتها مصر في عهد الرئيس جمال عبد الناصر.

 

وأوضح أن مصر تورطت في حرب اليمن عام 1962، عندما أرسلت قوات لدعم النظام الجمهوري الجديد، في صراع استمر سنوات، وكانت كلفته باهظة؛ إذ استُنزف الجيش المصري والاقتصاد الوطني قبل الانسحاب الكامل للقوات عقب هزيمة يونيو 1967.

 

وأضاف عبد السلام أن المخاطر الاقتصادية قد تبدأ حتى قبل تنفيذ أي تحرك عسكري، إذ إن مجرد إعلان القاهرة إرسال قوات عسكرية إلى السعودية قد تكون له كلفة على الاقتصاد المصري، خصوصًا في ظل تأكيدات جماعة الحوثي، في الوقت الراهن، أن «قرار البرلمان تفويض عبد الفتاح السيسي باتخاذ إجراءات دفاعية لدعم السعودية يشكل إعلان حرب على اليمن».

 

وتناول الكاتب ما وصفه بالتداعيات التي شهدتها الأسواق، من تراجع حاد في البورصة والجنيه المصري، وهروب الأموال الساخنة، وارتفاع سعر الدولار، إلى جانب قفزة في أسعار السلع والخدمات، معتبرًا أن ما حدث قد يكون مجرد بروفة مسبقة لما قد يترتب على قرار البرلمان، وبداية لسلسلة من الأزمات الجديدة التي قد يتحمل المواطن والاقتصاد والأسواق أعباءها.

 

واختتم عبد السلام طرحه بالتشكيك في إمكانية تكرار تجربة عام 1991، معتبرًا أن إسقاط الجزء الأكبر من الدين الخارجي المصري بات أمرًا شبه مستحيل في ظل الظروف المعقدة والصعبة التي تمر بها الاقتصادات العالمية، بما فيها الاقتصادات الأوروبية والأميركية.

 

ولفت إلى أن المشهد الحالي يختلف عن الظروف التي أحاطت بحرب الخليج الثانية، في ظل غياب الولايات المتحدة وكبار الدائنين من نادي باريس وصندوق النقد الدولي عن المشهد الراهن للصراع بين المملكة وجماعة الحوثي اليمنية المدعومة من إيران، وهو ما يجعل التعويل على تكرار الإعفاءات المالية السابقة رهانًا بالغ الصعوبة، ويعيد إلى الواجهة سؤال الكلفة الاقتصادية والسياسية لأي انخراط عسكري مصري محتمل.