يهوي الجنيه المصري إلى قيعان غير مسبوقة أمام العملات الأجنبية، وسط حالة من الذعر المالي تسيطر على الأسواق بعد تلويح قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي بدخول مواجهات مسلحة إقليمية استنزفت ثقة المستثمرين.
وتتزامن هذه الانهيارات المتسارعة في قيمة العملة المحلية مع حملات حشد رسمية تطالب بتفويض مفتوح للتسلح والتعبئة، مما يدفع رؤوس الأموال الأجنبية والمحلية نحو الهروب الجماعي خوفاً من تداعيات اقتصاد الحرب المدمّر.
عسكرة الاقتصاد تلتهم مدخرات المصريين
ومن هذا المنطلق، تتسارع وتيرة سحب الأموال الساخنة من أدوات الدين الحكومية منذ مطلع أكتوبر الجاري، حيث يرى المستثمرون في قرع طبول الحرب مؤشراً قاطعاً على عجز الدولة عن الوفاء بالتزاماتها.
علاوة على ذلك، يتسع الفارق بين السعر الرسمي للعملة في البنوك وسعرها في السوق الموازية، نتيجة لجوء المواطنين والتجار إلى اكتناز الدولار والذهب كوسيلة وحيدة لحماية مدخراتهم من التآكل اليومي المستمر.
وفي هذا السياق، يؤكد الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي الدكتور عبد الحافظ الصاوي أن توجيه الموارد الشحيحة نحو الإنفاق العسكري والتعبئة السياسية يعمّق فجوة التمويل الأجنبي ويجعل انهيار العملة الوطنية نتيجة حتمية ومباشرة.
وبالإضافة إلى ما سبق، يوضح الدكتور عبد الحافظ الصاوي أن إدارة الدولة عبر حشد التفويضات الأمنية تضرب استقرار السوق في مقتل، لأن رأس المال يفر فوراً من البيئات المحكومة بالقرارات المنفردة والعسكرية.
ومن ناحية أخرى، تشهد البنوك المصرية شحاً حاداً في السيولة الدولارية اللازمة لفتح الاعتمادات المستندية، الأمر الذي أصاب حركة الاستيراد بشلل شبه تام وأدى إلى تكدس البضائع الأساسية داخل الموانئ لأسابيع طويلة.
وبناءً على ذلك، تقفز أسعار السلع الغذائية والدوائية بشكل جنوني يفوق القدرة الشرائية للمواطنين، حيث يضطر المستوردون لتسعير بضائعهم وفقاً لقيمة الدولار في السوق السوداء تحوطاً من موجات خفض جديدة للجنيه.
وفضلاً عن تلك الأزمات، تتراجع عائدات المصادر الدولارية التقليدية للدولة جراء التوترات الإقليمية المتصاعدة، بينما يصر قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي على أولوية الإنفاق التسليحي والأمني فوق متطلبات الإعاشة الأساسية لملايين الأسر.
ونتيجة لهذا التوجه، تتآكل القيمة الحقيقية للأجور والمعاشات بنسب قياسية لم تشهدها البلاد منذ عقود، ليجد المواطن البسيط نفسه مطالباً بدفع فاتورة باهظة لسياسات إقليمية وعسكرية لا ناقة له فيها ولا جمل.
هروب الاستثمارات وتفاقم أزمة الديون
وعلى صعيد متصل، تواجه الموازنة العامة للدولة مأزقاً غير مسبوق في سداد أقساط وفوائد الديون الخارجية المستحقة خلال نوفمبر وديسمبر المقبلين، والتي تبتلع الجزء الأكبر من الإيرادات العامة والضريبية المحصلة من المواطنين.
ومع ذلك، تواصل المؤسسات المالية الدولية خفض التصنيف الائتماني لمصر مصحوباً بنظرة مستقبلية سلبية، بسبب غياب الإصلاحات الهيكلية الحقيقية واستمرار هيمنة المؤسسات العسكرية على مفاصل النشاط الاقتصادي ومزاحمتها للقطاع الخاص.
وفي هذا الإطار، يشير الخبير في الاقتصاد السياسي الدكتور مصطفى شاهين إلى أن إقحام البلاد في أجواء التعبئة الحربية يرفع كلفة التأمين على الديون السيادية ويغلق أبواب الأسواق الدولية أمام الحكومة.
واستكمالاً لهذه الرؤية، يشدد الدكتور مصطفى شاهين على أن رهن القرار الاقتصادي بالتقلبات الأمنية لقائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي جعل الجنيه ورقة مالية فاقدة للغطاء الإنتاجي، وتعتمد فقط على الاقتراض الخارجي المستمر.
وبالتوازي مع ذلك، تتوقف مئات المصانع المحلية عن العمل كلياً أو جزئياً بسبب نقص الخامات ومستلزمات الإنتاج المستوردة، مما يهدد بتسريح آلاف العمال ورفع معدلات البطالة إلى مستويات خطيرة وغير مسبوقة.
وعلى الرغم من الوعود الحكومية المتكررة منذ أغسطس الماضي بضبط الأسواق، فإن الواقع الميداني يثبت فشل الأدوات النقدية التقليدية في كبح جماح التضخم الذي تغذيه السياسات المالية التوسعية في غير موضعها.
ولهذا السبب، تتجه الشركات العابرة للحدود إلى تصفية أعمالها أو نقل مقراتها الإقليمية خارج القاهرة، هرباً من قيود تحويل الأرباح بالعملة الصعبة وتفادياً لمخاطر الانزلاق في صراعات مسلحة تستنزف موارد البلاد.
ومن ثم، تتحول الأزمة من مجرد نقص عابر في العملة الأجنبية إلى شلل هيكلي يضرب عصب الاقتصاد المصري، حيث تتراجع معدلات النمو الحقيقي وتنكمش مساهمة القطاعات الإنتاجية كالصناعة والزراعة في الناتج المحلي.
ولذلك، تلجأ السلطة إلى التوسع في طباعة النقود دون غطاء إنتاجي حقيقي لتمويل عجز الموازنة المتفاقم، وهو ما يترجم فوراً في الأسواق إلى مزيد من الانهيار في القوة الشرائية للجنيه المصري.
بيع الأصول لتمويل فاتورة التسلح
وفي المقابل، تسارع الحكومة الخطى لتنفيذ برنامج بيع الأصول والشركات العامة المملوكة للدولة بأسعار بخسة، في محاولة يائسة لتوفير سيولة دولارية سريعة تسد بها رمق الاحتياطي النقدي المتآكل لدى البنك المركزي.
غير أن هذه الحصيلة الدولارية الناتجة عن التفريط في ثروات الأجيال القادمة لا توجه لبناء قاعدة صناعية، بل تُستنزف في سداد فوائد الديون وتمويل صفقات التسليح التي يبرمها قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي.
وحول هذه النقطة، يوضح الخبير الاقتصادي ومستشار التمويل الدكتور ممدوح الولي أن اللجوء إلى تسييل الأصول الاستراتيجية في ظل تدهور الجنيه يمثل تبديداً صريحاً للثروة القومية، لأنه يتم تحت ضغط العجز المالي.
وإلى جانب ذلك، يبيّن الدكتور ممدوح الولي أن غياب الرقابة البرلمانية والشعبية على أوجه الإنفاق السيادي والعسكري منذ يوليو قبل الماضي فتح الباب أمام التزامات مالية ضخمة أثقلت كاهل الخزانة العامة وأسقطت العملة.
وبالإضافة إلى هذا النزيف، تتزايد الضغوط من قِبل الدائنين الدوليين لفرض مزيد من إجراءات التقشف القاسية، والتي تشمل رفع أسعار الوقود والكهرباء والخبز، مما يضاعف من الأعباء المعيشية اليومية على الفئات المهمشة.
وبسبب هذه السياسات، تتسع رقعة الفقر المدقع لتشمل شرائح واسعة من الطبقة الوسطى التي فقدت مدخراتها بعد سلسلة التخفيضات المتتالية للجنيه، لتصبح عاجزة عن تلبية الاحتياجات الأساسية من تعليم وصحة وسكن ملائم.
وكذلك، يفقد الجهاز المصرفي قدرته على جذب تحويلات المصريين العاملين بالخارج التي تراجعت بشدة منذ سبتمبر الماضي، نظراً لانعدام الثقة في السياسات النقدية وتفضيل المغتربين لقنوات غير رسمية أكثر أماناً وعائداً.
ومن هنا، يتجلى الترابط الوثيق بين خطاب التفويض العسكري وبين الانهيار المالي الشامل، حيث تتحول الشعارات الحربية إلى أداة لتبرير الفشل الاقتصادي وتمرير سياسات إفقار ممنهجة تحت ذريعة حماية الأمن القومي.
وختاماً لهذا المشهد، يبقى الجنيه المصري رهينة لقرارات قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي، الذي يمضي قدماً في عسكرة الدولة والاقتصاد، دافعاً بالبلاد نحو هاوية إفلاس حقيقي يدفع ثمنه الشعب المصري وحده.

