عصام شعبان
باحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية بجامعة القاهرة
فتح حديث الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أنّ الدستور لن يعدّل نقاشًا حول مستقبل انتقال السلطة، وبعد أن نفى ضمنًا، في الندوة التثقيفية للقوات المسلحة، أيّ اتجاه إلى تمديد رئاسته، أكد في احتفالية الأكاديمية العسكرية أنّ ولايته تنتهي عام 2030 ولن يترشح مجدّدًا. غير أنّ هذا الإعلان المفاجئ والمبكّر، جاء أكثر وضوحًا باقترانه بتحذير من مخاطر تحيط بالدولة، وبخطاب يشكّك في قدرة التيارات السياسية على إدارتها. وعليه؛ سيجري احترام موعد انتهاء الولاية، وإجراء الانتقال، عبر مسار تَحدّدت شروطه وخصائص المتنافسين فيه مسبقًا، استجابة لتحدّيات تفرض هذه الضرورة.
لا يُعرف على وجه الدقة سبب هذا الطرح قبل ثلاث سنوات من الاستحقاق الرئاسي، والذي بدا مفاجئًا ومبكّرًا، وأحدث ردّات فعل مرتبكة في وسائل إعلام وقيادات حزبية موالية ونواب ونخب، لكن الأزمة الاقتصادية الحادّة، وما تستشعره السلطة من قلق اجتماعي ومؤشّرات عدم رضا تعزوها إلى الدعاية والتحريض وحروب نفسية ضدّ المصريين، إلى جانب التوترات الإقليمية، تبدو عوامل مؤثرة، ويأتي نفي التمديد والتوريث من دائرة القرابة، بعد حملاتٍ دعت إلى تعديل الدستور على غرار ما جرى عام 2019، حين مُدت الولاية إلى ستّ سنوات، وأُتيحت ولاية ثالثة تنتهي عام 2030، ليبلغ حكم السيسي 16 عامًا.
أما سياق الطرح الراهن، فقد جاء ضمن خطاباتٍ امتدّت طوال الأسبوع الماضي عن "حروب الوعي" وتزييف الذاكرة الجمعية، وعن إشاعات تحاول "العبث بالعقول والتحريض على الاحتجاج". وتضمنت تحذيرًا من تكرار اضطرابات 2011 التي تراها السلطة كارثة، ودعوة الأسر إلى تحصين أبنائها، وتقديم حماية الدولة بوصفها مسؤولية شعبية وأسرية ومجتمعية لا تقتصر على الجيش والشرطة، واعتبار اختيار خليفة الرئيس مسؤولية شخصية ووطنية ودينية، مرتبطةً بضمان الاستقرار واستكمال مسار الإنقاذ وإدارة الدولة بكفاءة مع نقد شامل للقوى السياسية، لم يتوقف عند الإخوان المسلمين، الذين أخفقوا في حل مشكلات الدولة في عام حكمهم، بل اعتبار مجمل التيارات السياسية لا تعرف معنى الدولة ولا تحدّيات الحكم، وغير مؤهلة له. ومن ثم تبرز ضرورة وصول أشخاصٍ موثوقٍ بهم، يدركون معنى الدولة وكيفية إدارتها، ومنع وصول "الخونة أو المغرضين".
ويعني هذا تولي أجهزة الدولة المهمّة، وفرز المتنافسين على أساس الولاء وتبنّي رؤية السلطة ومفاهيمها بوصفها تجسيدًا للوطنية، بما يشمل سياسات الضبط والإصلاح الاقتصادي، وفي ظل تداعيات التقشف، وخطابات ناقدة له وللاستدانة، جرى الدفاع عن برنامج "الإصلاح الاقتصادي"، واستعادة انتفاضة الخبز عام 1977 وإدانتها لأنها عطلت إصلاحًا كان ضروريًّا، نفذته السلطة ولم تستطع حكومات سابقة تنفيذه. وبذلك الشرح المتكرّر تتجدّد "شرعية الإنقاذ" التي قامت عليها سلطة 30 يونيو، وتُقدَّم ثورة يناير محطّة كارثية يجب أن تبقى في الذاكرة، هي وانتفاضة الخبز، كتصرف معطّل ومدان، ويصبح "التغيير الآمن" نقيضًا للاحتجاج والثورة، واستباقًا لأي توتر محتمل.
وفي هذا الإطار، جاء مسار الانتقال، واستكمال خطة الإنقاذ عبر تداول السلطة، بإعداد جيلٍ من القيادات للرئاسة والوزارات والبرلمان، في برنامج مدته 30 شهرًا تستضيفه الأكاديمية العسكرية، يستهدف حملة الماجستير والدكتوراه بين 40 و50 عامًا بعد اختبارات قبول، مع إعفاء من شغلوا مواقع قيادية في الدولة سنوات. واستكمالًا لتقنين هذا وشرعنته، تتولى لجنة برئاسة رئيس مجلس النواب، وبعضوية وزيري العدل والتعليم العالي ومفكّرين وسياسيين، وضع المعايير وصياغة مشروع قانون يترجم المادة 200 المتعلقة بدور القوات المسلحة في صون الدستور والديمقراطية. وهنا يصبح البرنامج محطّة عبور إلزامية تضيف شروطًا جديدة إلى متطلبات الترشح، ويحول اختيار الرئيس إلى مسارٍ تضبط مؤسّسات الدولة معاييره وخطواته بدقة، وعبر مستويات متعدّدة، لا تسمح بمرور المُغرضين، الذين قد يقولون كلامًا مرتبًا لكنه خادع.
لا تنفصل هذه المقترحات عن معضلة انتقال السلطة في مصر، وهي إشكالية تاريخية ومؤسّسية ضمن النظم السلطوية، وبعد 1952 عُزل محمد نجيب، ومات جمال عبد الناصر، واغتيل أنور السادات، وعُزل حسني مبارك وحوكم، وتوفي محمد مرسي في محبسه، وهو أول رئيس منتخب بعد ثورة 25 يناير (2011)، لكن الأطر الدستورية المنظمة للوصول إلى السلطة ظلّت عرضة للتبديل، ولم تعرف مصر رئيسًا يسلّم خلفه من دون ظرف استثنائي، رغم قدم الدولة الحديثة، وتجربتها البرلمانية وكفاح شعبها في ثورات وانتفاضات متتالية.
وكانت ثورة يناير جزءًا من هذه الرحلة الطويلة من أجل الديمقراطية، وفتحت بجماهيرها الحاشدة بابًا لنمط اختيار الرئيس عبر الصندوق، لكن التجربة تعثّرت، وتذهب السلطة اليوم إلى تجريمها ونفي آثارها ومطالبها، وكما في انتفاضات عربية، تونس والجزائر والسودان، لم تحقق الفترات الانتقالية، على اختلاف مساراتها، ما خرج الناس من أجله: الحرّيات، والتداول السلمي، وإصلاح يرفع المظالم الاجتماعية. ومصريًا، وفي هذا التوقيت، يأتي وعد 2030 بتحديد موعد المغادرة، لكنه يحدّد صيغ الانتقال وطبيعته ضمن أطر قديمة، ويضيف إليها قيودًا مستجدّة باسم الضرورة والإنقاذ، ويفتح مسار تغيير قواعد الوصول إلى السلطة بشروط مسبقة وتمييزية من حيث العمر والانتماء السياسي والصلة بمؤسّسات الدولة. ويطرح هذا سؤال ولاية السلطة على المجتمع، باعتباره غير قادرٍ على التمييز والاختيار من دون غربلة وإرشاد ومجلس أعلى يشخّص الضرر والمخاطر، ويحصر الترشح، بناءً على تصوّر من غياب الوعي، في فئة محدودة تستوفي شروطًا مسبقة. والنتيجة لهذا الطرح فتح باب التغيير مع تضييق نطاق المنافسة، واختيار بين نسخ متشابهة تريدها السلطة حسب تصوّراتها وأهدافها، وهو ما يحقق عدة أغراض.
أولًا، شراء الوقت واحتواء القلق، إذ تدرك السلطة أن الوضعَين الاقتصادي والسياسي يحملان قابلية الاحتجاج، وتخشى تكرار 2011، وتضيق، في الوقت نفسه، بنقد خطابها وسياساتها. وتطرح فكرة "التغيير الآمن"، بما يسمح باحتواء جانبٍ من التوجس حول المستقبل، ويشيع أملًا في انتقال سلس، مرتبط بمسار تحدد السلطة شروطه، وأن كان ينافي فكرة التنافس والاختيار بين بدائل على أساس متكافئ. ويُقدَّم الطرح بوصفه تأهيلًا، لكنه عمليًا يضيق حقّ الترشح والمنافسة، ويستدعي مقارنات مع نماذج تضبط الوصول إلى المناصب العليا عبر مؤسّساتٍ تفحص المرشّحين، وحتى مع اختلاف السياقات تبقى سمات السلطوية واضحة، محكومة بقواعد الضبط وبمصالح طبقية للمجموعات المتحلقة حول السلطة والشريكة معها، والمحمية بوجودها وتراكم الثروة تحت مظلتها.
ثانيًا، ضبط المنافسة داخل النخبة، يتيح المسار تجاوز الصراع بين مرشّحين محتملين داخل الدولة وبيروقراطيتها، فيصير الاختيار أقرب إلى توافقٍ بين أجنحة السلطة بدل التنافس بينها، أو بينها وبين قوى من خارجها قد تضعف حظوظها، كما جرى في انتخابات 2012.
ثالثًا، تجديد الشرعية مع بقاء السياسات تحت مظلة الخوف، ونفي فكرة المراجعة، وهذا يظهر في تعامل السلطة مع الأزمات من أعلى، بتقوية تماسك مؤسّساتها واختيار قيادة تواصل المسار القائم، من دون مراجعة جوهر السياسات الاقتصادية والسياسية، ناهيك عن المحاسبة. ويُنظر إلى الاعتراضات بوصفها احتقانًا تغذيه الدعاية والتحريض، وتلك إحدى مشكلات العلاقة بين السلطة والمجتمع، إذ يجري تفسير الأزمة وضيق الناس من السياسات الحكومية، بضعف الوعي أو حملات تحريض، بدل فتح نقاش حقيقي حول السياسات ومصادر التوتر ومدى الضرر الذي لحق بالطبقات والفئات وقوى المجتمع على المستويَين السياسي والاجتماعي.
رابعًا، تناقض الوعد مع شروطه، يتطلب الانتقال السياسي إطلاق الحرّيات العامة، وترك المجال العام من دون قيود تكبله، ومعالجة ملف سجناء الرأي، وإقرار أن مراجعة السياسات الاقتصادية ضرورة، مع تنافس حرّ هو جوهر الاختيار، لكن الخطاب الرسمي يركّز على الاستقرار ومواجهة الشائعات، من دون مراجعة ذاتية للمسار الذي أفضى إلى الأزمة أو عمّقها، ويواصل ردّ جانبٍ من مشكلات الحاضر إلى الثورة، بما يحدّ من فرص تغيير يتجاوز تبديل الأشخاص إلى مراجعة قواعد الحكم والسياسات.
وإجمالًا، يعيد الحديث عن انتهاء الولاية عام 2030 الانتخابات الرئاسية إلى صدارة النقاش مبكرًا، لكنه يحدد طبيعة الانتقال وغرضه، بل وجانبًا من المرشّحين له، فمع ربط الاستعداد للقيادة ببرنامج تأهيل، وفي سياق نقد التيارات السياسية، تضيق فرص التنافس أو تُنفى. وما تراه السلطة ضمانة لحماية الدولة يشكل قيدًا على حق الترشح وفكرة الاختلاف والتنافس، واستمرارًا لنفي السياسة مجالًا للحكم وحيّزًا تشاركيًّا للسلطة والمعارضة، ونفي السياسة، يعني هيمنة لمجموعة محدودة، وهذه ترجمة واضحة للسلطوية: اختيار بين فئة تستوفي شروطًا مسبقة، تبقى من دون تغيير، حتى حين تكون هناك ضرورة لذلك، مع منع من يطرحون أنفسهم بدائل من التنافس الحر، لتكون المحصّلة إعادة إنتاج النظام، توريثًا عبر المؤسسات وبالسياسات نفسها. بينما تنتظر قوى المجتمع المتطلعة إلى التغيير، التي ترى في تداول السلطة أحد منافذ الأمل وكافحت قطاعاتٌ واسعةٌ منها من أجل الإصلاح، مسارًا مختلفًا عما يُطرح. ولهذا ليس من السهل اليوم تمرير ما كان ممكنًا قبل عقد. وبناءً على هذه المعطيات، يصبح الانتقال موضوعًا على أجندة السلطة، لكنها تختار معالجته بالطريقة نفسها.

